كتاب وأراء

مفاتيح السعادة

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
إن إحدى علامات الرضا وأحد مفاتيح السعادة يكمنان في إدراكك لحكمة الله في توصيل أقدارك إليك من مصارف بعينها دونًا عن سواها.
فحظك من البر، ونصيبك من العطف، وأقدارك من العطاء، الرفق أو الرحمة أو حتى رصيدك من المال قد يأتيك من غريب أو بعيد، فلا تصر بأنه كان الأحرى أن تناله من أبويك، ابنك، زوجك أو مصارف بعينها.
لأن الله هو المتصرف في أمور عباده وهو الذي يعلم ما لا تعلمون.
ثقوا في هدايا الله فهو الهادي الذي يحسن الإهداء.
أما لو تمسكت بالتحسر على حالك كون البر لم تنله من أبنائك وأن المال لم تتحصل عليه من إرث جدودك وأن السند لم يكن من ظهيرة أبيك وأن العضد لم يقدمه لك ساعد إخوتك والعزوة لم ترها من عشيرة أهلك والعلم لم تتحصل عليه من سبورة معلمك والنجدة لم تأتك من بيت جارك والتقدير لم تلمسيه من لسان زوجك والأمان لم يمنحه لك تراب وطنك والعزومة لم ترد إليك ممن دعوتهم، والهدية لم تسدد إليك ممن أهديتهم، فاعلم أنك مصمم على أن تكون كبقعة زيت عنيدة لن يفلح الرافيدين في تنظيفها، لأن الوسخ عالق بقلبك وعقلك معًا.
اعتزل ما يؤذيك وأقص نفسك عمن يضرك ويسيء إليك، لكن حاشاك من التحسر على أوضاعك، فإن الله مع الصابرين وثق أن النور سيشع بآخر النفق.
فقط، أشعِل سراج نفسك، وأضئ الشموع في ذاتك ونفسك وابحث عن الطيبين، فأغلبنا مر عليه هذا الإنسان الغارق في الطيبة، المفرط في التسامح، هذا البشوش الدائم الدهشة كالأطفال. إنهم مثلنا يدان، قدمان، أنف وعينان، لكن الفارق في حجم القلب الذي يسع الأنام قاطبة.
أتخيلهم في هيئة رجل عجوز، تعلو وجهه ابتسامة ليست مُغرضة، يوزعها كحلوى العيد على الجميع، لكن المفارقة اني قابلت منهم «مستر نيسون» وزميله «مستر جوردن» و«مس باتي» وكيلة مدرسة أبنائي وثلاثتهم آية من آيات طيب السريرة وسماحة النفس وبشاشة الوجه على أنهم لايزالون يتمتعون بالشباب ويرفلون في وسامة وجاذبية توازي طيبة سجاياهم.
أخبرتني ابنتي أن زميلها أخرج ريحاً في الفصل، فروى جوردن للطلاب ذكرياته في الطفولة وانه لطالما صدرت عنه أصوات محرجة. حكى حكاياته مازحًا وعمد لإحراج نفسه ليرفع الحرج عن طالب لديه.
وحين لمح ضِيقًا على وجه زميل له، شرى حلوى، وأوصى طلابه بتقديمها للزميل على أساس أنها هدية منهم، لعلمه أن هدايا الطلاب تُترجم على أن أستاذهم محبوب من الصغار ما سيقذف دفعة انتعاش لقلبه، بخلاف لو جاءت الهدية من زميل يتوقع مساندته.
نموذج آخر للطيبة كشفت عنه صديقة طفولة روت بأسى انهيارها يوم انفصل أبواها وزواج كل منهما بآخر، لتمضي الأيام فتكتشف أن الله أهداها «زوج أم» ملائكيًا عوضًا عن أب قاسٍ، هجرهم وتزوج من فنانة شهيرة، وعلى ثرائه، إلا أنه إنسان لاهٍ، لا يهتم باحتياجات ابنته، فيما كان يمنحها زوج أمها الرعاية المادية والمعنوية.
إجمالا يتسم الطيبون بكرم النفس وسماحة الروح والتسامح المفرط والبساطة، عدا البشاشة، كما أنهم يصلون لذروة السعادة بجلسة في الشرفة بصحبة فطيرة والقليل من البذور.
الطيبون كغرير في سذاجته، كزنبقة يشي بها عطرها وعلى هذا فإنها حين تفتقد من يقطفها فإنها تزداد تفتحًا لإغواء العابرين بانتزاعها من جذورها.
الطيبون سيماهم على وجوههم من أثر البسمات.
الطيبون كرماء لكن لا يحبون ذكر جودهم لا خشية الرياء ولكن خشية التوبيخ «انتم مضيعين فلوسكم والناس بتستغفلكم»!
عادة، يعامل الناس الأغراب أفضل مما يعاملون أهل بيتهم للحصول على سمعة طيبة زائفة، فهم يضمنون بقاء أهل بيتهم لكن يخشون نفور الأغراب، أما الطيب حقا فيعرف عنه التساهل الشديد مع أهل بيته أكثر من تساهله مع الأغراب. كما أنهم لا ينفرون من أقاربهم محدودي الدخل أو المكانة، فلا يستحي الطيب من عم عاطل أو ابن خال من سكان الأقاليم أو قريب لديه متلازمة داون.

داليا الحديدي