كتاب وأراء

لا تعتذر ولا تبرر لهم

حمد حسن التميمي
أغلبنا يطمح إلى التغيير نحو الأفضل، وتحسين حياته على مختلف الأصعدة، لكن قليلاً منا فقط من يستطيعون ذلك؛ لأن الارتقاء إلى مستوى أعلى عملية تتطلب جهداً وصبراً كبيراً، وقليلون من هم على استعداد لتحمل عناء الوصول إلى حيث يريدون.
إذا كنت واحداً من أولئك الذين خاضوا غمار تلك التجربة، وحققوا في النهاية ما يطمحون إليه، فلربما تجد نفسك مضطراً إلى تبرير التغيرات التي طرأت على حياتك، والاعتذار عن التبدلات في تصرفاتك وسلوكياتك، والقرارات الجديدة التي تتخذها في الوقت الراهن، خصوصاً لمن تربطك بهم أواصر المحبة والصداقة.
إن أي شخص يجري تغييراً حقيقيّاً على حياته، سيشعر من حوله أن هناك اختلافاً في شخصيته مع الوقت، وربما لن يتقبل البعض منهم تلك التبدلات، خاصة عندما تنعكس على طريقة تعامله معهم.
فالأصدقاء الذين اعتدت أن تتسكع معهم لساعات طويلة كل أسبوع، سيلاحظون ابتعادك عنهم شيئاً فشيئاً، وانسحابك من مناسبات كثيرة بصحبتهم، وزملاء العمل الذين اعتادوا الجلوس معك وإضاعة الوقت في الدردشة والأحاديث الجانبية، سيشهدون عزوفك عما كنت تفعله برفقتهم بشكل منتظم سابقاً.
كل ذلك يمكن أن يخلق في داخل من يعرفك إحساساً بالإهمال أو عدم الاكتراث من طرفك، وبأنك لم تعد كالسابق، مما سيدفع البعض إلى الاعتراض والمعاتبة، وهو ما قد يجعلك تبرر تصرفاتك وتعتذر عن التغيير الذي أحدثته في نمط حياتك وتعاملاتك.
لكن توقف قليلاً، أليس التغيير الذي قمت به لصالحك؟ وبفضله أصبحت إنساناً أفضل وأكثر كفاءة وإنتاجية ووفرة في مختلف جوانب حياتك. إذن لماذا تعتذر؟! إن من يتوجب عليه الاعتذار حقيقة هو من يسيء إلى الآخرين، ومن يضيع وقتهم في أشياء تضر أكثر مما تنفع، أما من يعيد تشكيل حياته لتغدو أكثر إشراقاً ومعنى، فعليه أن يعتذر لنفسه لا للناس من حوله، يعتذر لنفسه عن الساعات والأيام وربما السنوات التي خسرها من عمره قبل أن يدرك الطريق الصحيح.
فليس عليك نهائيّاً أن تعتذر لأي أحد عن التغيير الذي أدخلته على حياتك وشخصيتك، فمن حقك أن تعيد تشكيل نفسك بالطريقة والشكل الذي يناسبك، وتبدل قناعاتك والأماكن التي ترتادها، وتعيد ترتيب الناس في حياتك، دون أن تكون مضطراً لتبرير أي شيء، ولا شرح الأسباب التي دفعتك لذلك.
عندما تمضي في رحلة التغيير نحو الأفضل، وتحقق في النهاية ما تصبو إليه، فافتخر بما أنجزته واحتفِ بنصرك بصحبة من يقدر تعبك، ويؤمن بك، ويريد لك الخير، أما دون ذلك من أناس فلا تلتفت لهم ولا لآرائهم حولك، حتى لو غادروك بلا رجعة.
فالحقيقة هي أن تغيير حياتنا في كثير من الأحيان سيجعل بعض الأشخاص يغادرونها، لأنهم ببساطة لن يتفهموا قيمة الوقت وأهمية ما نريد تحقيقه، أنت وحدك من تدرك قيمة أحلامك، إلى جانب بعض الناس الذين يحبونك ويقدرونك.
إن من إيجابيات التغيير الإيجابي أنك لن تكون مضطراً بعده إلى الاستمرار في علاقة تسيء إليك، ولا إلى مرافقة من يمتص طاقتك وحماستك، ولا إلى تبرير أي شيء لأي شخص على الإطلاق؛ لأن ما أصبحت عليه اليوم يستحق الاحتفاء لا التبرير والاعتذار.
حياتك ملكك، وكيف تقضيها قرارك وحدك، ولا دخل لامرئ في كيفية تشكيل ذاتك وإعادة ترتيب جميع أمورك، من تفهم ذلك فأهلاً به، ومن لم يتفهم فاترك له الباب مفتوحاً على مصراعيه.
هذا لا يعني بالطبع أن تهمل الآخرين، وتتنكر للجميل، أو تترك من تحبهم وتقدرهم في سبيل تحقيق أهدافك، بل يعني أن تضع بعض الحدود، وتركز بشكل أكبر على أحلامك، إلى جانب اهتمامك الموزع بطريقة مدروسة على كل من يهمك أمرهم، فالتغيير للأفضل، يعني أن تصبح أفضل مع نفسك ومع من يستحق، فلا تعتذر لأحد عما أصبحت عليه اليوم، بل واصل مشوارك وعش حياتك كما تريد.

حمد حسن التميمي