كتاب وأراء

رحلة التعصب الديني والقومي بين الغرب والشرق

مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل- مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
مصطلح يتردد دوماً: نحن في العالم المتقدم وما زال البعض يمارس تخلفه!
وهذا البعض سياقه متعدد بحسب الظرف للتصرف الذي صدر، ولكن جزءًا منه هو اعتماد العصبيات في تحديد الموقف أو في السلوك العدائي الشائن ضد الآخر، دون أن يكون هناك مبرر، لهذا الظلم أو التعسّف الذي وقع على مظلوم بريء إلا عصبية ضده، غير أن الوصف هنا بالعالم المتقدم، يقتضي أن هذا العالم خرج وخاصة في فكرة الترويج للتقدم منذ عهد التنوير الغربي، من كل ممارسات العصبيات.
وهذا غير صحيح مطلقاً، بل إن العصبية للقومية الغربية وإن تعددت مذهبياتها المسيحية، ثم اتجاهاتها الفلسفية أو حتى الشعورية بين إلحاد ليبرالي أو ماركسي، أو وجودية تائهة تعتمد النزوة والمادة، دون أدنى مراجعة فكرية بالعقل الواعي، فالغرب لا يزال مبنياً على هذه العصبية، خاصة في ممارسته المركزية على عالم الجنوب، وبالتالي فهذا التقدم في هذا السياق ليس أخلاقياً أبداً، بل هو جزء من ممارسة التوحش وأيضاً من خلال العصبية، ولكنها عصبية للأمم الغربية، في أوروبا أو أميركا الشمالية.
لكن ذلك كله لا يُلغي أن الغرب بشقيّه، خرج من فعل التاريخ العصبوي، الذي ذهب بمئات الملايين من مسيحيّيه وغيرهم، في صراعات كبرى منذ حروب الخط الفاصل بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم من بعد الالتفاف النازي على أوروبا الحديثة، والحرب المدمرة التي انتهت بهزيمة النازية، ومع ذلك لا تزال هذه الأطياف العصبوية المتطرفة حاضرة وتعود للنشاط في الجسم الغربي، وإن ركزت جهدها على المسلمين في الغرب والأقليات الأخرى، بل ووصلت الرئاسة في نموذج ترامب وماكرون.
ولكن هذه المنظومة من فلسفة التشريعات الحقوقية، والضبط المدني لخلافات المجتمعات، هي في مسارها في المساوات الحقوقية والتشريعات القانونية، في اتجاه صحيح، بل وضمن خلاصات تدافع تجربة عسيرة، أقرت تلك المنصة بعمومها قبل الدخول في الخلاف القيمي، الذي اعتمد هدم الروح فضعف أثر العدل القانوني أمامه، وعليه فحتى لو سقطت أوروبا مثلاً في جولة حروب، وحتى لو تفككت بريطانيا ذاتها، فهل هذا يعني أن تلك التجربة الإنسانية فارغة، لا تستحق الفهم والتأمل والاستفادة؟
هنا نعود لأزمة الشرق الحديثة، ومحاولته النهوض من جديد رغم أن حالة التقدم العلمي التي وصلت بعض بلدانه بل كلها، وإن بنسب مختلفة، والتعليم الجامعي وغيره، والاكتشافات العلمية للتنوير الغربي كالكهرباء والنقل والطاقة، تنتشر في أرجائه، إلا أن الشرق يكاد يعيش مأساته الأولى عند أول دعوات الإحيائيين إنقاذه، من ثنائية تخلفه المظلم، ومن بغي التسلط الغربي عليه، وهو التسلط الذي استثمر استبداد الأنظمة التي دعمها، أو ساعد في توسعها وبقائها، فتخلفت بلدان الشرق، ووجد أبناؤه تلك النهضة الحقوقية والعلمية معا، كمشعل مضيء في الغرب حجت له أجيال من أبناء الشرق.
وبين معجب متيّم مطلق يرى التقليد التام، ويظن أن إخراج الشرق من قيمه هو الحل، وبين راصد مثمّن للتجربة عرف سر تميزها، في فكر صناعة الحقوق الإنسانية وليس التقدم العلمي فقط، بحكم أن منظومات التشريع الإداري، هي التي تُفعّل القيم والخيرية بين المجتمعات، ولكنه في ذات الوقت انتبه للمأزق الفكري ضد الإنسان ذاته، لا إنسان الشرق فقط، ولكن أيضاً إنسان الغرب وحيث كان العالم وأذنت الحياة في المعمورة.
إن الغرب نجح في تحييد العصبيات الفرعية في الحياة المعاصرة، رغم وجودها في الهيكل الديني ومذاهبه، فلا تزال آثار الصراع غضّة طرية حتى اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا، فضلاً عن أن الطبقات البرجوازية، لها أيضا قاعدة اجتماعية، ثم تكتلات الهجرات المتعددة، وبقاء مجتمعاتها حتى اليوم، فأنت تعرف الأحياء الإيطالية والإسبانية والبرتغالية في أميركا الشمالية، وجذور الهجرة البولندية والأيرلندية، وهي ذات أثر في لعبة السياسة.
وهذه القوميات الفرعية، عانت عند أول هجرتها لأميركا الشمالية، لكن الاضطهاد الذي صُبّ عليها، لم يكن ليقتلعها من جذورها، بسبب الوحدة القومية الدينية المجملة، التي تجمعهم مع الغرب في أميركا الجديدة، فيما أُفني السكان الأصليون الذين تُكتشف رفات أطفالهم حتى اليوم، كما في خبر المقبرة السرية للكنيسة الكاثوليكية مؤخراً في كندا.
لكن هذه ليست كل الحكاية، ولا تبرر عجز المسلمين الكارثي وطغيان عصابيتهم على إسلامهم.

مهنا الحبيل