كتاب وأراء

في بيئة العرب.. عن مسألة الحالات الفردية

من التعبيرات، أو لدقة التبريرات، التي تستعمل بشكل متزايد في الخطاب العربي تعبير «حالات فردية»، وبمنطق إحصائي صرف يفترض ألا تزيد «الحالات الفردية» عن بضعة وقائع لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أو أصابع اليدين على أقصى تقدير، أما وصف ما يحدث مئات بل وآلاف المرات على أنها «حالات فردية»، فأمر لا بد وأن يثير تساؤلاً عما إذا كان هناك ثمة خلل في الإحساس العربي بالأرقام.
تجد مثلاً بلدان عربية تأتي في مقدمة الدول التي تُسجل فيها معدلات تحرش جنسي عالية بالإناث، ومع هذا ينبري مسؤولون وكتاب فيها ليصوروا الأمر على أنه مجرد حالات فردية، هناك أيضاً وزارات عربية للتربية والتعليم ما زالت تعلن برغم تفشي الغش في لجان الامتحانات عن أنه مجرد حالات فردية.
مثال آخر وقع في 2008 عندما منع عدد كبير من الجزائريين من دخول تونس لكنه وصف بأنه ليس إلا بضعة «حالات فردية»، أو خذ ذلك الجدل الذي لا ينقطع في مصر حول ما يجري من انتهاكات من قبل بعض أفراد الشرطة بين من يقطع بأنها تمثل ظاهرة ومن يصر على أنها تجاوزات فردية. أو ما يصور في العراق من انتهاكات للسنة على يد قوى الحشد الشعبي على أنها مجرد حالات فردية. والأمثلة ليس لها عد أو حصر.
هروب العقول والكفاءات يعتبر حالات فردية. انتهاكات حقوق العمالة، التطرف، الغش التجاري، العنف ضد المرأة، زنا المحارم، الاعتداء على الأطباء والمعلمين، الخصومات المذهبية والطائفية، الرشوة والفساد الإداري. كل هذه وكثير غيرها تُسمى في الخطاب التبريري العربي «حالات فردية».
والتعبير يحاول أن يلتمس الأعذار بأية وسيلة، كما أنه يجتهد ليترك بصمة نفسية وصورة ذهنية عند الناس تقل بكثير عن هول الحقيقة، إنه وصف ينتمي إلى أسرة الكلمات العربية المطاطة التي تُجّمل وتستر وتداري وتواري أشد الصعوبات خلف ألطف الكلمات، كلمات تكذب على الناس وعلى الذات.
خذ مثلاً «تحريك الأسعار»، إنه تعبير مطاطي معروف يداري الفشل في كبح التضخم وتفشي الغلاء يسمى زيادة الأسعار تحريكاً، أو تعبير «الخصخصة» الذي أطلق على أوسع عملية لتصفية الأصول العامة بأبخس الأثمان وتسليمها لأصحاب النفوذ والحظوة، أو الانتخابات أو الديمقراطية أو التأميم أو السيادة، وكثير من مفردات القاموس السياسي العالمي التي تستعمل في السياق العربي على نحو مختلف عما استقر عالمياً. فانتخاباتنا ليست فيها من الانتخابات إلا الشكل وهكذا ديمقراطيتنا وتأميمنا وسيادتنا، والشيء نفسه ينطبق على مصطلح «الحالات الفردية»، فأكثرها ليس بحالات معدودة على الأصابع وإنما ظواهر متكاملة الأركان تجمع بين ضخامة العدد وعمق الأثر.
فلا يمكن ومنظمة الشفافية الدولية مثلاً تضع دولاً عربية على رأس قائمة الفساد أن تصور ممارسته على أنها حالات فردية، ولا يمكن بعد تسريب امتحانات الثانوية العامة في الجزائر هذا العام وفي مصر للعام الرابع على التوالي أن يُوصف ما حدث بأنها «حالات فردية»، بينما في بلد متشدد في سياساته مثل الصين جرى التعامل مع غش الطلاب في امتحانات «الجاوكاو» المؤهلة لدخول الجامعات على أنها ظاهرة استدعت اتخاذ إجراءات صارمة تضمنت مراقبة لجان الامتحان بطائرات بدون طيار.
«الحالات الفردية» كلمة حلال تحاول أن تداري حراماً، نعم هناك حالات فردية من الفساد والغش والتعذيب والاستباحة يغطيها الإعلام، لكن هناك مئات بل وآلاف الحالات التي لا يغطيها لكن الناس يعلمون بها، وإحساس الناس أهم دائماً من كل الأرقام. فالأرقام تستطيع متى رُتبت أن تُظهر السلوكيات المعيبة المطلوب سترها على أنها أحداث فردية، أما إحساس الناس فقادر على التمييز بين ما يعد وقائع فردية نادرة لا تتكرر وما هو نمط يعاد مرات ومرات.
إن الإتكاء المتواصل على تبرير الخطأ الواضح بأنه مجرد «حالات فردية» ليس إلا مرآة لثقافة تراخت مع الخطأ وتكاسلت في الضبط والربط وإعلاء الحق، ثقافة لا تحب أن تقر بحجم الخطأ أو تعترف بحجم المشكلة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات