كتاب وأراء

معارك وهمية

حمد حسن التميمي
عندما نكون صغاراً لا ندرك الكثير من الأشياء في الحياة، نكبر قليلاً وتمضي الأيام ونحن غارقون في الأحداث اليومية التي تشغلنا عن أنفسنا وما نريده، ننصرف إلى الدراسة في الصفوف المدرسية، ونقضي ما تبقى من الوقت الذي نتواجد فيه خارج جدران المدارس والجامعات مشغولين بحفظ ما تلقيناه ومنغمسين في المواقف الحياتية الهامشية، التي يمكن أن تعطل قدرتنا على رؤية الغاية والمغزى من وجودنا.
بعضنا يستفيق في مرحلة مبكرة فيدرك أن ما كان يشغل ذهنه واهتمامه في سن مبكرة لم يكن بذي أهمية، وأنه إذا استمر على هذا المنوال فلن يحقق شيئاً مما يحلم به، في حين يظل العديد من الناس كمن يمشي وهو نائم، لا يدركون أن معظم ما يشغل بالهم لا يصب في مصلحتهم، وأن غالبية الأشياء التي يقومون بها، والمواقف التي يعرّضون أنفسهم لها، وبعض ممن يصادقونهم ويحبونهم ليسوا سوى عثرة في طريق نجاحهم واكتشاف ذواتهم، لأن كل تلك الأشياء وكل أولئك الأشخاص لم يكونوا يستحقون ذرة اهتمام في الأساس، لكن الوقت تلاشى وتبعثرت عقارب الساعة جيئة وذهاباً بلا طائل، وهكذا يقضي الكثيرون حياتهم مشغولين بتوافه الحياة وخوض المعارك التي يكتشفون في وقت متأخر أنها مجرد أحداث هامشية شغلتهم عن حياتهم الحقيقية.
فكم من موقف أثار غضبك الشديد وحملته في صدرك سنين طويلة، ليتبين بعدها أنه لا يستحق منك تلك المشاعر التي استنزفت طاقتك وجعلتك حانقاً معظم الوقت غير قادر على الإنتاج، وكم من شخص أعطيته اهتمامك وبددت شهوراً وسنيناً من عمرك بصحبته، لتكتشف أنك أسأت الاختيار وأضعت ساعات عمرك برفقة إنسان أبعدك عن المسار الصحيح، ولم يكن في النهاية لا الصديق ولا الحبيب الذي كنت تتمناه، بل مجرد امرئ أناني لا هم له سوى إحباطك، وتثبيط عزيمتك، وإضاعة وقتك على أشياء تافهة لا تقدم ولا تؤخر!
إن الفرق بين الناجح والفاشل هو أن الناجح يعرف أين يركز اهتمامه ويصب تركيزه، وغالباً ما يدرك ذلك في مرحلة مبكرة من حياته، فتراه شخصاً ناضجاً واعياً لا يبدد وقته على أشياء هامشية وأشخاص هامشيين لا ينفعونه بشيء، بينما الفاشل يكون تركيزه واهتمامه منصبين على أشياء وأشخاص ما هم إلا مشتتات وملهيات تحيد به عن الطريق الصحيح للوصول إلى ما يريده في هذه الحياة، فيمضي العمر ليصحو في وقت متأخر ويندب حظه والسنين التي أضاعها من حياته سدى.
لهذا علينا جميعاً، بغض النظر عن أعمارنا، أن نتأمل في واقعنا حتى نتدارك أنفسنا ونعود إلى المسار الصحيح، بدلاً من تبديد سنوات إضافية من أعمارنا ونحن غارقون في خوض معارك هامشية تشغلنا عن حياتنا الحقيقية.
إن الحياة الحقيقية يجب أن تتمحور حول الأهداف والطموحات والأحلام التي نرنو إلى تحقيقها، وحول التعلم من التجارب، واكتساب المعارف المتنوعة، ومحبة الآخرين ومساعدتهم، وتنمية ذواتنا باستمرار على طول الطريق حتى نصير أفضل ونرتقي بعقولنا وقلوبنا، ونصبح أكثر إنسانية وعطاء لأنفسنا وللمجتمع والناس من حولنا.
فلا معنى لحياة تقضيها في المشاحنات والغضب المستمر، في الحقد والكراهية، في اللهو واللعب المتواصل، في الالتفات إلى الأمور السطحية والابتعاد عن الأشياء العميقة، في مشاهدة الأفلام والمسلسلات معظم وقتك بدلاً من قراءة الكتب القيمة المفيدة، في تناول الأطعمة غير الصحية وإدمان العادات المضرة لصحتك الذهنية والبدنية عوضاً عن اتباع نظام غذائي صحي يمدك بالطاقة والحيوية ويجعلك أكثر سعادة ونشاطاً، في الأنانية والبخل بدلاً من العطاء ونجدة المظلوم ومساعدة المحتاج، فعش حياة حقيقية بدلاً من حياة سطحية ذات أحداث هامشية تبعدك عن مغزى وجودك وكينونتك الذاتية وجوهرك الحقيقي.
www.hamadaltamimiii.com

حمد حسن التميمي