كتاب وأراء

متلازمة ستوكهولم

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
استوقفني أحد مشاهد فيلم «Django Unchained» حين امتلأ قلب الطبيب «شولتز» بالغضب ضد الإقطاعي الظالم «كالفين» لأنه رجل ثري ومغرور وبلا رحمة، لا يعنيه سوى أمواله ورفاهيته والشعور بالعظمة، فثار الطبيب ثورة عارمة ضد الظالم، وأطلق النار عليه فأرداه قتيلا في منتصف قصره أمام حشد من حراسه غيرَ آبه لمصيره بسبب مقاومته لهذا السفاح الذي استعبد البشر وحرقهم ثم أطعمهم للكلاب.
العجيب أن من بين الشهود كان هناك ستيفن، كبير العبيد. فما أن شاهد ستيفن جلاده وقد قتل، إلا وشرع يبكي عليه بحرقه كما لو أنه ابنه الذي قُتل ظلماً، ضارباً بعرض الحائط الثورة ضد الظلم الذي وقع عليه وعلى عشرات من البشر مثله، فقد تعاطف كبير العبيد مع جلاده ضد من دفع حياته لأجل تحريره من عبودية ذلك الظالم.
كان «كالفين» يشبه الطاغية الذي يمعن في استعباد أبناء شعبه، أما «ستيفن» فكان يرمز لتلك الحفنة المرفهة من الشعوب والتي رضيت بالرفاهية مقابل العبودية كونها المستفيدة الوحيدة من حكم الطغاة، ما يجعلهم يستميتون لبقاء الجلاد في احتلاله وظلمه فقط لتدوم رفاهيتهم وإن عاشوا عبيدًا، بلا مشاعر ندم لرؤيتهم للسواد الأعظم الكادح والذي يداس تحت الأقدام.
فليس هنالك أحقر من أن يَغرس من تناصره الخجرَ في ظهرك لأجل رفاهية واهية في الاستعباد، وما أبشع أن يناهضك من تفني حياتك ليعيش حر بكرامة، لكنه مصمم على العيش عبد مرفه.
وفي مذكرات «أبراهام لنكولن» ذكر أنه حين أصدر إعلان التحرير المبدئي هام 1862، ذكر أن أصعب ما كان يواجههم هو إقناع المستعبدين أنهم باتوا أحرارا وأنهم يمكنهم الرحيل من مجل عبوديتهم، فقد وجد «لنكولن» أن الكثير منهم اعتادوا على حياة العبودية وفضلوا الإحساس بالظلم كونه غير مكلف، أما الحرية فتحتاج لثورة ومكافحة وعمل، لأن تاريخ التحرر من العبودية طويل ودفع لأجله الثمين والأثمن، لذلك فمن الصعب تفسير ظاهرة التعاطف مع المستبد.
وحدها جاءت «متلازمة استكهول» لتفسر أعراض تلك الظاهرة النفسية التي تصيب الأفراد عندما يتعاطفون ويتعاونون مع مَن أساء إليهم، أو يُظهرون علامات الولاء لطاغية.
فقد يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف، وتسمى أيضاً برابطة الأَسْر أو الخطف وقد اشتهرت في العام 1973، حيث تُظهر فيها الرهينة أو الأسيرة التعاطف والانسجام تجاه الخاطف، تصل لدرجة الدفاع عنه والتضامن معه.
هذه المشاعر تعتبر بشكل عام غير منطقية ولا عقلانية في ضوء الخطر والمجازفة اللتين تتحملهما الضحية، إذ أن الضحية تفهم بشكل خاطئ عدم الإساءة من قبل المعتدي إحساناً ورحمة، وقد سجلت ملفات الشرطة وجود متلازمة ستوكهولم لدى 8 % من حالات الرهائن.
ويمكن اعتبار متلازمة ستوكهولم كنوع من الارتباط الذي له علاقة بالصدمة، ولا يتطلب بالضرورة وجود حالة خطف، فهو ترابط عاطفي قوي يتكون بين شخصين أحدهما يعتدي ويهدد ويضرب ويخيف الآخر بشكل متقطع.
إحدى الفرضيات التي تفسر هذا السلوك تفترض أن هذا الارتباط هو استجابة الفرد للصدمة وتحوله لضحية، فالتضامن مع المعتدي هو إحدى الطرق للدفاع عن الذات، فالضحية حين تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدِي فإن هذه الأفكار والتصرفات لن تعتبرها الضحية تهديدًا أو تخويفًا.
وأُطلق على هذه الحالة اسم «متلازمة ستوكهولم» نسبة إلى حادثة حدثت في ستوكهولم، حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك «كريديتبانكين» في عام 1973، واتخذوا بعضاً من موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يتعاطفون مع الجناة، بل قاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم.

داليا الحديدي