كتاب وأراء

يا قِبلتنا الأولى !

خالد وليد محمود
كاتب وباحث
إن كانت ثمة حقائق عديدة كشفتها انتفاضة القدس فأهمها أن المرابطين في أكناف هذه المدينة المقدسة لا يكفون عن المبادرة في ابتكار وسائل الكفاح وأنماطه ويفرضون أجندتهم على كل قيادات الفصائل الفلسطينية والأنظمة العربية وأن صمود هذا الجيل المختلف عما سبقه هو الأقوى والأمضى من كل الشعارات المكررة في وجه الاحتلال الغاشم..
المصادر العربية تناقلت يوما قصة أكدتها صحف عبرية لاحقا بعد هزيمة حرب 67، تقول: «أنه في أحد الأيام سُئلت غولدا مائير – التي كانت تشغل منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية عن أسوأ وأجمل الأيام التي عاشتها، فقالت: إنه يوم حرق المسجد الأقصى، فسألوها كيف ذلك؟ فأجابت: لقد تخيّلت أن الشعوب العربية ستحرك الجيوش نحو إسرائيل فشعرت بخوف شديد، ولمّا توّجه العرب إلى مجلس الأمن، شعرت بفرح شديد»!.
واقعنا العربي المرير هذه الأيام يؤكدّ ما قالته مائير قبل أكثر من عشرات السنين، دعونا نعترف ولو لمرة واحدة قبل أن تقع الفأس بالرأس، أن ما يجري في القدس وما يتعرض له المسجد الأقصى في غاية الخطورة ولا يحتمل التأجيل والتسويف، فالكيان الإسرائيلي يخوض آخر معاركه في بيت المقدس وأكنافه، والأخير مازال عنوانا لآخر احتلال عنصري استعماري على وجه البسيطة، ولم يتبق من عروبة هذه المدينة المقدسة إلا القليل القليل.
بمناسبة الحديث عن الدعم العربي للقدس: أين الملايين التي رصدت للقدس والمقدسيين؟ أين المليارات التي نذرها الحكّام لعيون المدينة في قمم عربية عديدة؟ أين أثرياء فلسطين؟
هناك ملياردير يهودي واحد اسمه (موسكوفتش) يتبرع سنويا للكيان الإسرائيلي بمليار دولار لتنفيذ مشاريعه بالقدس المحتلة، دون أن نلمس مساعي عربية جدية وجادة لإنقاذ المدينة أو التضامن معها بالشكل المطلوب وبإستراتيجية مغايرة لما اعتدنا نحن العرب والمسلمين عليه.
خلاصة الموضوع: لولا صمود المرابطين الذين يعيشون في القدس من الفلسطينيين لتبددت قضية أولى القبلتين كلها، وليس أدل على ذلك ردود فعل بعض الأنظمة التي حاول بعضها الالتفاف على صمود المقدسيين وسرقة إنجازهم.
والبون شاسع بين ردة فعل المقدسيين المرابطين الصامدين وردود الفعل الأخرى. شعوبنا العربية والإسلامية متيقنة من أن الذين يدافعون عن الأقصى بالشجب والاستنكار لا يملكون أكثر من ذلك، وهم لا يتوقعون أكثر من ثرثرات فارغة بلا معنى لا تعيرها إسرائيل أي انتباه! ولسان الحال يقول: القدس لم يأكلها الذئب إنما ألقاها إخوتها في الجُب ثم جاؤوا يبكون!

خالد وليد محمود