كتاب وأراء

عار العالم في قفص «نهلة العثمان»

رشا عمران
كاتبة سورية
ذات يوم في ثمانينيات القرن الماضي، عرض التليفزيون السوري حلقة من برنامج (السالب والموجب) الذي كان يقدمه الإعلامي السوري توفيق الحلاق، الحلقة كانت عن أب وأم سجنا ابنتيهما في غرفة مغلقة لسنوات طويلة جدا، وقيداهما بجنازير حديدية، ومنعاهما من رؤية أحد، كانا يدخلان لهما ما يبقيهما على قيد الحياة فقط من الطعام والماء، مشهد الفتاتين اللتين كانتا تمشيان على أربع، كما تمشي الحيوانات، كان مرعبا، ظلت الحلقة حديث السوريين زمنا طويلا، إذ كانت صدمة الحدث أكثر من القدرة على التخيل، فكيف يمكن لعقل بشري أن يتخيل شيئا كهذا؟! مهما بلغ الاضطراب النفسي لدى الأهل مداه، كيف يمكن تخيل أن ثمة من يفعل هذا بأحد ما، حتى أكثر الجلادين إجراما في المعتقلات السياسية سيكونون أكثر رأفة مع من يعتبرونهم أعداءهم، كيف يمكن تخيل أن يفعل والدان بفلذات أكبادهم فعلة كهذه؟!.
قبل أيام حدثت جريمة مشابهة في مخيم فرج الله في ريف إدلب في الشمال السوري، حيث توفيت الطفلة نهلة العثمان من الجفاف حسب تقرير الطبيب الذي حاول إنقاذها، الطفلة نهلة العثمان ذات السنوات الست كانت تعيش مع أبيها وزوجته بعد أن تطلقت أمها من أبيها، ولأنها كثيرة الحركة قيدها والدها بسلاسل حديد في قدميها كي تمشي ببطئ، ووضع لها قفصا حديديا تقضي وقتها فيه، تخرج منه وتعود إليه كما لو أنها مبرمجة على هذا، وأيضا كان يقدم لها من الطعام والماء ما يبقيها على الرمق الأخير، حتى توفاها الله إلى رحمته ناهيا هذه المأساة التي لا يمكن لعقل بشري تصديقها.
الفارق الزمني بين الحادثتين يتجاوزالأربعين عاما بسنوات، والفارق الجوهري أن فتاتي الثمانينيات كانتا مسجونتين في غرفة مغلقة لا تخرجان أبدا ولا تريان أحدا ولا يراهما أحد، أما نهلة، فتاة المخيم، فكانت على حالتها هذه أمام أعين سكان المخيم جميعا، كانوا يرونها في قيدها ويرونها في قفصها الحديدي، كانوا جميعا يعرفون ما يحدث ويشهدون عليه بأم أعينهم ومع ذلك صمتوا جميعا عن هذه الجريمة، أما الذريعة، فهي أن الأب من حقه التصرف بحياة ابنته كما يشاء، هل كان الأمر سيكون نفسه لو أن نهلة كانت صبيا ؟!، أظن أننا جميعا نعرف الجواب، لم يكن الأب ليفعل هذا بابنه الذكر، ولو كان مجنونا وفعل لما كان سكان المخيم صمتوا عنه طيلة هذه المدة، آلاف الجرائم المشابهة تحدث ضد البنات من قبل أفراد عائلاتهم وكلها بدعوى الحفاظ على الشرف، في سوريا مثلا، قتلت مئات الفتيات على يد أخوتهن أو أبائهن، لأنهن تزوجن رجالا من مذهب مختلف، أو لأن ذكور العائلة شكوا في سلوكهن، أو لأن إحداهن رفضت الزواج ممن اختاره والدها أو أخوها.
مأساة الطفلة نهلة العثمان تصبح أكثر هولا وإجراما حين نعرف أن والد الفتاة أحد عناصر فصيل الجولاني الذي يتحكم بريف إدلب، وهو ما جعل من المعترضين على مصير الفتاة يصمتون خوفا من الانتقام، إذ أن الفصيل يحكم الشمال بقبضة حديدية، لا تقل هولا وفظاعة عن حكم نظام الأسد لسوريا، ولا مانع لديه من تقييد كل سكان الشمال، وسجنهم في أقفاص حديدية كما حدث لنهلة العثمان، في أكبر انتصار للثورة المضادة التي ساهم نظام الأسد مع المجتمع الدولي في خلقها، وفي أوضح صورة لفشل الثورة المدنية الديمقراطية التي انطلقت في شهر مارس عام 2011.
سلاسل نهلة العثمان وقفصها، هما ليس فقط سلاسل وأقفاص الأنثى العربية أينما كانت، بل هما أيضا سلاسل وأقفاص بلادنا كلها، المحكومة بمنظومة استبداد متأصلة سياسي وديني اجتماعي، يحول النص الديني على هوى النظام السياسي، ليبقى هذا التحالف قائما ضد الشعوب عامة، وضد الأنثى بشكل خاص، إذ أن أي تغيير سياسي إيجابي يجب أن يترافق مع تغيير إجتماعي تنويري، وهو ما لن يسمح به لا المؤسسة السياسية ولا المؤسسة الدينية المتحالفة معه، وإلى أن تحدث معجزة ما سوف تبقى قيود نهلة العثمان وقفصها شاهدان على عار هذا العالم وقوانينه وتحالفاته.

رشا عمران