كتاب وأراء

(عيّدي.. يا بلادي)

مع بدء العد التنازلي ليوم عزيز على كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين، يوم ليس كسائر الأيام بكل ما فيه، قيمه ومعانيه، حاضره وماضيه، حروفه وما تعنيه، مع اقترابه تتلبسني حالة خاصة عندما أمسك القلم للكتابة عن مضامينه، عن عناوينه، عن كل ما يمتد من جذوره، عن معنى كلمة أو دلالة صورة، أتخيله كإشعاع ضوئي يملأ الفضاء، لا أحد يستطيع لملمة أطرافه أو ذكر جميع أوصافه أو حتى اختزاله في مشهد يحدد مكامنه ومعالمه .



حدث يصوّر لي أنه مثل بحر مترامٍي.. متناميٍ.. يحتاج سباحا ماهرا يصارع أمواجه ويسبر أغواره، أو كاتبا يستنزف أحباره وكل أفكاره.

يستنجد بالماضي الأصيل، ويستشرف المستقبل الجميل، يستخدم كل ما لديه من مخزون وتجارب، ليصل لبر الأمان والاطمئنان.



الأفكار تتزاحم للظهور، والعبارات تتدافع للعبور، وكأني بها تحرص أن يكون لها شرف الحضور مع احتفالات البلاد بيومها الوطني.. بما يتناسب مع أهمية الحدث الغالي على القلوب، ويتماشى مع هذه المناسبة العزيزة على الجميع، ويتواكب مع تاريخها الناصع وحاضرها اللامع ومستقبلها الذي لاح في الأفق نجمه الساطع.



الموضوع كبير.. مثير.. وفيه الكثير..

يرصد رحلة دولة ممتدة عبر 136 عاما.. يتحدث عن حكمة قيادتها وتوحيد شعبها وسيادة أرضها وتطور اقتصادها وتنمية عمرانها ومعيشة سكانها وارتقاء تعليمها، وسرد مكتسباتها، ورصد إنجازاتها.. منذ وضع مؤسسها «اللبنة الأولى» للدولة الحقيقية، وصولا إلى يومنا الحاضر، والمرحلة الذهبية.



أي مقال يقال إنه سيــســتوعب هذا الإرث الأصيل.. الجميل.. الجليل؟!



ربما نحتاج لمجلدات ومعلقات وحلقات للحديث بإيجاز عن يومنا الوطني منذ حقبة التأسيس إلى مرحلة الإنجاز والإعمار والإبهار بكل المقاييس..



لكن الحدث ملهم ومهم..

وشعوري مفعم وفكري نهم..

انطلق يا قلم.. ورفرف يا علم.



«مواقف مشرفة»

ولا شك ونحن نحتفل في نهاية هذا العام الحافل بأحداثه، نستذكر كيف كانت مواقفنا، وكيف ثبتنا على مبادئنا.. سائرين على خطى المؤسس وحافظين لهذا البلد تفرده وتميزه وحسن سلوكه، وهذا ما يسعد كل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة ويشعره بالطمأنينة في هذه الأجواء المشبعة بالمحبة والشفافية والوطنية.

خطاب حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في قمة مجلس التعاون التي اختتمت مؤخرا في عاصمة الحزم الرياض.. عبارة عن وثيقة تاريخية تلخص مواقف قطر ومنهجها في التعامل مع قضايا المنطقة والعرب والمسلمين، والتي لا تقبل التهاون فيها ولا مجال أبدا للتراجع عنها، فهي ناتجة عن التزام أخلاقي بالوقوف إلى جانب الحق ونصرة الشرعية ومحاربة التطرف والإرهاب ورأب الصدع والشقاق وإضفاء السلام والوئام والوفاق.

«هداتنا يفرح بها كل مغبون»

كل من قرأ سيرة المؤسس لهذا الوطن يجد نفسه أمام رجل «بحجم دولة»، عطفا على منجزاته وبطولاته وسماته، وكذلك سيعجب بالجانب الروحاني والاجتماعي في حياته، فكان رجل الدين والشعر والأدب.. وله في هذا المجال أفعال وأقوال رسخت في الأذهان، وأصبحت مضرب الأمثال ومراجع يستنار ويستدل بها في كل مكان وزمان.



ومن أشعاره حفظ الكثير، وتداولتها الكتب.



ويحسب للجنة المنظمة لليوم الوطني تـميزها في اختيار عناوين الاحتفال في كل عام.. فهي تارة تمرر معاني ترتبط بالولاء والتكاتف والعزة، وتارة تختار ما يمثلنا ويترجم مواقفنا وسياساتنا في تعاملنا الداخلي والخارجي.. كشعار اليوم الوطني لهذا العام «هدّاتنا يفرح بها كل مغبون».. مما يثبت امتداد النهج وثبات المبادئ ووضوح الرؤية على مر الأجيال واختلاف الأزمنة، لتبقى قطر تتعامل بالصدق والنصح والنقا مع الجميع.. وتغيث المحتاج وتنصر الضعيف وتنتصر للمظلوم، حتى أصبحت منارة للحق وكعبة المضيوم.

«قامة وقيمة»

أول ما تبادر إلى ذهني حقيقة أن الكثير كتب في هذه المناسبة وفي مؤسس قطر الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، وكان السؤال الأكثر إلحاحا: هل بقي شيء لم تتناوله الكتب ولم يستعرضه الكتّاب؟



من الناحية التاريخية قيل الكثير، نعم.. لكن هناك ما يتعين استذكاره أيضا في هذه المناسبة، ومن ذلك العبر التي يمكن الحديث عنها، والدروس التي يجب الاستفادة منها، والاستزادة بها.



فالمؤسس قضى حياته في تكريس أسس دولتنا، فهو أول رجل ظهرت قطر في ظل زعامته كياناً واحداً متماسكاً، وقد استطاع من خلال سياسته أن يعمل بتوازن وحكمة لتحقيق الهدف الأول والأسمى، وهو توحيد الشعب واستقلال الأرض، لينطلق بقطر نحو مرحلة جديدة لا خضوع فيها، ولا خنوع من أجل سيادة كاملة على أركان الدولة، متسلحا بجميع معاني الانتماء والوفاء والشجاعة والفدائية وكل القيم الوطنية.



فكان هذا الأمل.. واستطاع بحكمته وحنكته وصبره وإيمانه العميق، أن يوحد القبائل القطرية تحت «بيرق واحد»، ويجمع شتاتها، ويضع حدا لفرقتها، فظهرت ملامح مرحلة جديدة، شعارها التكاتف والولاء والعزة، لتكون بمثابة اللبنة الأولى لدولة حقيقية لديها قيادة وشعب وأرض، ليلتفت بعدها إلى إيجاد مصادر الدخل في زمن شحيح بالموارد، فشهدت حقبته اهتماما بالاقتصاد، فكان أول ميناء تجاري يصدر ويستقبل البضائع، إضافة إلى الغوص، حيث رهن الأجداد أرواحهم في أعماق البحار، بحثا عن المحار واللؤلؤ وقبلها بحثا عن لقمة العيش!



من هنا كانت البداية..

ويالها من بداية؟!



معارك في البر والبحر لانتزاع السيادة والحياة الكريمة، فاختلط دخان البارود بالرمح والسيف الصقيل، وأقبل الفرسان والخيل على أصوات الصهيل، في ملحمة وطنية لم يسبق لها مثيل.. أنصفت أهل الأرض ونصرت فرسانها وكان المجد المظفّر عنوانها..

فارتفع بيرق العز والفخر..

وانطلق وطن الشموخ من وسط الأحداث العصيبة برأس مرفوع وعز وهيبة..



عرف الشيخ جاسم بالقيم النبيلة، وإرساء العدل ورفع الظلم.. فهو القائل:



يا ويل قاضي الأرض من قاضي السما

لا عاد ميزانه عن الحق مايل



فهذا اختصار لمعاني هذا الرجل التقي العادل الزاهد في دنياه والورع في دينه والمراعي لرب السماء في كل أحواله وأمواله، إذ خصص جزءا منها للمحتاجين ووقفا للمعوزين.. وامتاز رحمه الله بصفات مذهلة من النادر أن تجتمع في شخص واحد.. فكان الحاكم والقاضي والفارس والخطيب والشاعر والأديب.



لذلك كان المؤسس شخصية عظيمة قامة وقيمة، وسطّر تاريخا حافلا مع أبناء شعبه، في طريق العزة والكرامة بالسيف والخيل والدم، ليضع لنفسه وبلده بصمة بين الأمم.



فبرزت شخصيته وحماسته وفراسته، فهو مقدام وواع لكل الأخطار، والنفس تسوق صاحبها لما يحب ويهوى.. والشيخ جاسم كان محبا لقطر وأرضها وشعبها، فأعانه الله على الأخطار، وحقق له الانتصار.



وهذا ما جعل سيرته تحفظ في الذاكرة وتكتب بالأقلام في غيبة التكنولوجيا والإعلام.. فذكر عنه الشيء الكثير وقيل في حقه الكلام الجميل.. وان كان كل ذلك لا يوفيه قدره الجليل.



وأراد الله سبحانه وتعالى لهذا الوطن استمرار العزة والرفعة، فولّى علينا خيرة الحكّام الذين وضعوا الوطن والمواطن نصب أعينهم.. ونستذكر هنا مقتطفات من خطب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى- وندعو الله في هذا اليوم الأغر أن يحفظه ويرعاه ويسدد خطاه- فهو قائل هذه الكلمات المأثورة والمؤثرة: «هدفنا بناء الوطن ورفاهية المواطن، ومن هذه الكلمات تُشتق المهمات الكبرى، من أجل إقامة الدولة الحديثة التي تستجيب لمتطلّبات العصر، وتحقق لها المكانة الرائدة التي نصبو إليها، ولشعبها مستوى العيش الكريم الذي يليق به، دون التخلي عن انتمائنا القَطَري العربي الأصيل وعقيدتنا الإسلامية السمحاء، فهذه هي وثيقة أجدادنا وآبائنا وأجيالنا وسنسلمّها لـعيالنا، ليكملوا المسيرة بنبراس وبصيرة».



وقال في حق شعبه الوفي المحب:



«لقد عُرف القطريون من قديم الزمان بحسن أخلاقهم وكرمهم وتواضعهم، وإقلالهم الكلام وإكثارهم العمل، ونصرتهم المظلوم. وأخشى أن يفوتنا أن ننقل إلى شبابنا قيمَنا الأصيلة هذه، قيم العمل، والتواضع، وحسن الخُلق، ومعاملة الآخرين باحترام، فعلينا أن نحرص أن يجد الشاب معنى لحياته في هذا كله، في ظروف الحضارة الاستهلاكية».



كما يحرص سموه، حفظه الله، على الاستدلال من الكتاب والسنة في معظم خطاباته.. وهنا يذكر الحديث الشريف الذي يدعو للأخلاق الكريمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق»، وقال أيضا «إنما بُعثتُ لأتمّم مكارمَ الأخلاق».. وهل من هدف للتنشئة والتربية أسمى من هذا الهدف؟



تأملوا ما قاله سمو الأمير، وتلك العقلية الإصلاحية والتربوية، هذا هو المغزى العظيم، وهذا هو الامتداد الرائع بين حقبتين تاريخيتين صنعتا مجد قطر وازدهارها فكان ما نراه في هذا اليوم المجيد.



هذه القيم تحتاج إلى جهد، فلا معنى على الإطلاق لرؤية دون عمل، فهذا حلم، ولا قيمة لعمل لا ترافقه رؤية، فهذا عبث، وهنا لابد أن نسجل بأحرف من نور أن قطر ما كانت لتصل إلى ما نحن عليه وما كانت لتترجم ما أراده الشيخ المؤسس لولا حلم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبعد نظره ورؤيته الثاقبة، ليكمل صاحب الـسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى المسيرة المظفرة، معلنا ميلاد حقبة جديدة بإنجازات فريدة، على طريق العز والفخر.. لتستمر قطر أكثر نموا وسموا وتوهجا وتألقا وتفوقا، حتى وصلت لمكانة مرموقة غير مسبوقة.. وصارت حديث العالم، ومضرب الأمثال.



انظروا إلى الدوحة اليوم، وقد صارت منارة للعلم بجامعاتها الكبرى، ومدارسها المتنوعة، ومراكز البحث والتقصي فيها، فهي قبلة الباحثين والعلماء، وملتقى الثقافات، وحوار الحضارات، ينهلون من نور شعلتها، لتمتد من التأسيس، إلى التقدم والعصرنة والازدهار، عبر حقبة واحدة متصلة، صنعت مجد قطر الذي نرفل به اليوم.



هذا هو مغزى ما نحتفل به اليوم ، العمل والمبادرة، فاليوم الوطني ليس كرنفالا وأعلاما فحسب، لكنه أيضا وقفة مع الذات ومع الوطن، هدفها تعزيز قيم الولاء بين الشعب والقيادة، وبين الشعب والوطن.



وختاما..



اليوم الوطني لكل دولة مناسبة للفرح والابتهاج، لكنه في قطر يكتسب معاني أكثر عمقا ونبلا، فهو يوم «التكاتف، الولاء والعزة»، وفيه «نسمو بروح الأوفياء»، ونسير معه «على نهج الألى»، ليرتفع «الأدعم» عاليا خفاقا، معتمدين على أخلاقنا، ومدركين أن «قلوبنا موارد عزنا»، ونتعامل مع الجميع بمبدأ «الصدق والنصح والنقا»..

ومع المواقف بفكر وعزم..

ومع التهور والاعتداء بجزم وحزم..

فسياستنا يحترمها كل فكر موزون..

وهدّاتنا يفرح بها كل مغبون..



فهذا الوطن الذي تعتليه سماوات العظيم، وفي ترابه رفات المخلصين، يستحق منا أن نفخر به بأفعالنا، ونحافظ عليه بأخلاقنا، وندافع عنه بأرواحنا.



محمد حمد المري

محمد المري