كتاب وأراء

قبل أن تزول النعم

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
ربما روّجت الموجة العصرية باسم النسوية لمهاجمة الآباء والأزواج عن دون قصد فلطالما هللت تلك الحركات للمرأة وحدها كونها نصف المجتمع، ولكن ماذا عن النصف الآخر؟
ماذاعن الابن، الأخ، الجد، الأب والزوج الذين يستيقظون فجرًا ليقضون أعمارهم طلباً للرزق لفتح البيوت وإهداء الطعام والكساء والمآوى والتعليم لأسرهم؟
لماذا اعتدنا كيل الاتهامات لمن يتحملون مشاق الحياة والبشر، وقد يعملون بوظيفتين متحاملين على صحتهم من أجل بناء مستقبل آمن لعوائلهم ؟
لماذا نهرف بأقوال بعيدة كل البعد عن الواقع، علماً بأن موجة عدم الرضا لن تسفر سوى عن المزيد من السخط وخراب البيوت؟
يبدو أن وفرة النعم لا تعني أبداً الشعور بها.
فقلما أقابل من تقدر شريكها حق التقدير، فتشعر بأنه يكافح ويتحمل تقريع رئيسه في العمل ويبتلع الإهانات ويغض الطرف عن ظلم وقع عليه من زملائه، عدا مشاق الطريق ومشاكل الغلاء، وتوبيخ أمه أو عتاب أبيه له طلباً للمزيد من التواصل، فيراضي هذا ويلاطف هذه، ويناضل على شتى الجبهات لكي تصل سفينة الأسرة لبر آمن..
ورغم هذا فهو وحده المتهم بالتقصير وهو دوماُ من يحمل شماعة المسؤولية..
فإن خرج للترفيه فهو سفيه، وإن عاقب صغاره فهو همجي، وإن دللهم فهم متسيب وسيتسبب في فشلهم، وإن شجع زوجته على العمل فهو مستغل ونفعي ويتقوت من مال النساء، وإن منعها فهو متسلط وديكتاتور ولا يشعر بحاجتها ويريدها تحت إمرته، وإن خضع لطلبات أمه فهو شخصية «سهلة الانقياد»، فإن سمع لزوجته فهو ضعيف الشخصية وخانع، وإن شاهد مباراة أو فيلم فهو تافه.
والأدهى هو هذا التعامي المضل عن إنجازات رب الأسرة والرغبة في التشويش عليه، وحب تنازع الأدوار عوضاً عن تكاملها، فكل طرف يريد إثبات أنه وحده من يعمل أكثر ويمنح أثمن ما يودي بالعلاقات الأسرية لهاوية الشتات على أقل تقدير.
إننا قد نرزق البيت والشريك والابن والستر، لكن قلّ من يشعر بقيمة ما وهب، لذا ينتشر التذمر والنقد المستمر.
لاشك أن رب الأسرة يسعى لتقديم أفضل ما لديه لأبنائه، وإن كان في قمة خيبة أمله منهم.. ربما لا يملك الآباء مهارات اتصال لطيفة ما يجعل التعامل بينهم وبين الأبناء عملية إشكالية، لكن الآباء يتحملون صغارهم مهما كانت الضغوط شديدة، وحين يَمُر العمر، فيشُبّ الصِغار ويشيب الكبار، يتحملون قسوتهم وإن مزقوا قلوبهم..
قد يثور الأب بكلمات ظاهرها القسوة، لكنه يدعو لأهل بيته بقلبه في الخفاء وفي كل وقت وحين. ولا يجب أن ننسى أن جُلّ العطاء المادي للأبناء يَصِلَهم من آبائهم، فهم من يمنحون كل ما يملكون بل ويسألون الله أن يغنيهم كونهم يفكرون في مستقبل صغارهم، وإن كنا كأمهات نحمل أطفالنا لتسع، فالآباء يحملون الأبناء لباقي العمر، يفكرون في تكاليف دراستهم والبحث لهم عن عمل، وعن زوجات صالحات وعن بيوت مناسبة. ربما يعبر بعض الآباء عن حبهم للأبناء بشكل يبدو سلطويا، حين لا يسمحون لهم باتخاذ قرارات لحياتهم أو التخطيط لمستقبلهم لأنهم عاجزين عن رؤية أبنائهم إلا في صورة كائنات ضعيفة لا يعتمد عليها وهو ما يعرض الأبناء لفقد ثقتهم بأنفسهم وبقدراتهم أو بأهليتهم للتصرف الصحيح. لا شك أنه مع تقديرنا لدور الآباء والأمهات، إلا أننا ندعوهم لإعادة النظر في ثقافة تترجم حبهم على أنه مبرر لتصرفات العنف اللفظي أو الجسدي أو سوء المعاملة سواء بالتحكم أو السيطرة، علما بأن الاستمرار في التعاطي على هذا النحو لن يسفر سوى عن أبناء ضعاف غير مدربين على الاعتماد على النفس.
تحية لكل الآباء والأمهات، عسى أن نشعر بقيمة النعم قبل أن تزول.

داليا الحديدي