كتاب وأراء

العز لـ «الرز» في حميميم والبرغل بيد الرئيس

رشا عمران
كاتبة سورية
لعل الكثير من الأجيال السورية الجديدة لا تعرف أن ما يسمى (الجمهورية السورية) التي يحصل فيها ما يحصل اليوم، هي ليست سوى نتيجة لتقاسم تركة السلطنة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وانتهاء سيطرتها على بلاد الشام التي تم تقاسمها بموجب اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا العظمى، ثم إقرار الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان بوصفهما متصرفية واحدة، قبل إعلان الجمهورية السورية الأولى أثناء قوة الانتداب الفرنسي، ثم إعلان الجمهورية المتحدة، بعد الجلاء الفرنسي عن سوريا، وإعلان الوحدة مع مصر، لتكون سوريا هي الإقليم الشمالي لمصر، حسب اتفاقية الوحدة، ثم بعد ذلك حدوث الانفصال واستلام البعث للسلطة، وإعلان (الجمهورية العربية السورية) بحدودها ما قبل الثورة 2011، بعد أن ألحقت منطقة لواء اسكندرون بتركيا، ثم لاحقا هضبة الجولان بإسرائيل.
ما هي عليه سوريا إذن هو ليس سوى نتيجة احتلالات متعددة، انتهت بحكم شمولي عسكري غيَّر من الديموغرافية السورية بما يتناسب مع سياسته في تحويل الجمهورية إلى جملوكية، يتم توارثها من قبل عائلة واحدة، بعد أن تمت تصفية كل الضباط الذين شاركوا بثورة البعث عام 1963، من قبل حافظ الأسد، الذي حكم سوريا بقبضة قاتلة، لم تتورع عن ارتكاب العديد من المجازر ضد معارضيه، حتى وصلنا إلى الحال التي نحن فيها اليوم، دمار وموت وتشرد واحتلالات متعددة، ومعتقلات ممتلئة بسوريين مجهولي المصير، وجوع وفقر وفقدان لكل أساسيات الحياة والكرامة البشرية، حرفيا وليس مجازيا، ووسط كل هذا ووسط الاستغاثات التي يطلقها السوريون لإنقاذهم من بين فكي الموت داخل سوريا، لم يجد النظام السوري أي حرج في إقامة احتفال كبير بمناسبة ذكرى جلاء القوات الفرنسية عن سوريا في السابع عشر من أبريل، وهو ما يفترض أنه اليوم الوطني أو القومي للسوريين.
يوم كهذا تحتفل به كل شعوب العالم، هو دليل على استقلالها وإرادتها الحرة، واعتزازها بكينونتها السياسية والاجتماعية، وبتاريخها النضالي لإنجاز الاستقلال، على أن الاحتفال السوري هذا العام بذكرى جلاء المستعمر الفرنسي كان له شكل آخر، وأظن أن لا سابقة له في التاريخ البشري، إذ أعلنت وكالة سانا للأنباء، وهي الوكالة الإخبارية السورية الرسمية، عن إقامة احتفال كبير بذكرى الجلاء في مطار حميميم العسكري الذي تسيطر عليه (مستأجر لمدة 99 عاما) القوات العسكرية الروسية، والذي يشكل مركز عمل القيادة الروسية التي تأخذ شكل الوصاية على سوريا، الاحتفال كان بمشاركة وزير الدفاع السوري وعدد من الضباط والمسؤولين السوريين، وبحضور كبار الضباط والعسكريين الروس، وقد نشرت الوكالة صورا من الاحتفال، تظهر فيها فرقة موسيقية روسية ومغنيات روسيات، يحيين الاحتفال، ويظهر العلم الروسي في كل أنحاء المطار بينما لا يوجد أي أثر للعلم السوري في كل المكان، ولم نر أية صورة لفعاليات شعبية وفنية سورية مشاركة بالمناسبة أسوة (بالأصدقاء) الروس، ولم تر وكالة سانا على ما يبدو، ولا وزير الدفاع السوري، ولا أحد من المسؤولين السوريين أن شيئا كهذا يشبه الفضيحة، أو هو فضيحة كاملة، لا تحدث إلا في بلد كل ما فيه سوريالي وغرائبي، ففي نفس وقت الاحتفالية نشرت الوكالة صورا لرأس النظام بشار الأسد وزوجته وهما يقومان بتوزيع أكياس (برغل) على المواطنين، في (مكرمة) جديدة من مكرمات (السيد الرئيس) على السوريين، ولمن لا يعرف أيضا، فإن البرغل هو أكل الفقراء فعلا لا مجازا، وليس أدل على ذلك من المثل السوري الشهير(العز للرز والبرغل شنق حاله)، إذ لطالما كان السوريون يزرعون القمح، في غالبية القرى والأرياف السورية، ولطالما كان البرغل هو المونة المتوافرة دائما لدى الجميع، فما جاع من لديه مونة برغل في بيته، ومع ذلك لا يخجل رأس النظام وزوجته في إظهار صورهما يحملان أكياسا من البرغل بينما تمتد أياد في الصور لا تظهر وجوه أصحابها، لتتلقف أكل الفقراء ممن قتل وشرد وأخفى وجوع وأذل السوريين، واستقدم لها احتلالا جديدا يتبجح بالاحتفال بذكرى جلاء احتلال قديم.
ولكي تكتمل سوريالية الوضع السوري بذكرى الجلاء، يوجه أحد المعارضين (رئيس لجنة التفاوض) خطابا استعراضيا إلى الشعب السوري لا يختلف بمفرداته عن أي خطاب يوجهه مسؤول بعثي، موحيا بأنه (الرئيس المقبل) لسوريا، دون أن نعرف من هو (الشعب السوري) الذي توجه إليه بالخطاب، ودون أن نعرف ماذا تعني مهمة رئيس لجنة التفاوض، التي لم تستطع حتى اللحظة أن تغير شعرة واحدة في الوضع السوري.
يحتاج ما يحدث في الوضع السوري حاليا إلى منظر بحجم (أندريه بروتون) منظر المذهب السريالي، ليستطيع تفسير ما يحدث وتشريحه، إذ أنه على ما يبدو حتى الأدب سوف يعجز عن نقل الصورة الحالية، بكل مرارتها وسخريتها وغرائبيتها.

رشا عمران