كتاب وأراء

أنا لا أكذب.. لكني أبالغ

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
الشوام يؤاخون بين الزائد والناقص، والأمثال تحذر: «فكل ما يزيد على حده ينقلب لضده». كما أوصى الحكماء بالاعتدال، كونه لجاماً للإفراط، فيما آمن الإنجليز بمقولة براونينغ:
«Less is more»
- فالمبتدؤون في الطبخ يعجزون عن ضبط الطعم لإسرافهم في التوابل «إكرامًا للطبخة»، فيفسدها الإفراط في البهار، في حين يدرك المُحنك أن الاعتدال هو سر الطعم.
- وقليل من النساء يدركن بشاعة المبالغة في التبرج. فتعجز السيدة عن الخروج من دارها إلا ومحملة بكامل حُليها، رغم أن الإقلال من الحلى يُضاعِف الحَلا، بينما تطمسه البهرجة. والمشكل في تشدقهن بالبساطة رغم عجزهن عن التطبيق.
- أيضا يولد الإفراط في الاهتمام بالآخرين شعورًا بالحذر من نوايا المٌهتم.
- والمبالغة في اتباع نظمًا غذائية تتلف الأيض وتثمر نتائج عكسية بسبب الحرمان.
- الإفراط في المداهنة يجعل المرء ليناً عرضة للعصر، فيما المبالغة في التيبس تجعله عرضة للكسر.
- الوسطية بين «زر غباً تزدد حباً» وبين «البعيد عن العين، بعيد عن القلب» تؤكد قلة المتمرسين في تصويب زيارتهم بتوقيت يناسب ظروف الطرفين، لتجنب خراب العلاقات.
- ظاهرة «الزووم» في التصوير تثبت أن تعمد الاقتراب يبرز عيوب الصورة، والمبالغة في الابتعاد تبهت الرؤية.
- جرب التهويل في مدح شخص، بلد أو حتى مطعم أمام الناس، وثق أن إمعانك في المديح سيجعل السامع يستهين بفضائل الموصوف. فكثيرون ممن سمعوا عن روعة «باريس» أُحبطو لدى زيارتهم الأولى، كون ما سمعوه قد فاق الخيال ما رفع سقف توقعاتهم، فجاء الواقع أقل من المأمول.
فرغم أن الذوق مع البشر ينهض كمحمدة، إلا أن الدراسات أفادت بأن «متلازمة الاحتراق النفسي» تصيب أولئك الذين يتطلب نشاطهم المهني أو الأسري التزامات بالغة الإرهاق في التعامل، كاالأطباء النفسيين، المعلمين، ربات البيوت أو الشخصيات التي تستسيغ لعب دور صديق البطل.
وقد صنف المرض على أنه متلازمة خاصة بالمهن «القائمة على تحمل الآخرين». ويعرف «الاحتراق النفسي» بالموت الناتج عن الأعباء المبالغ فيها.
فوفقاً لعالم النفس فرودنبرجر: «البشر يقعون ضحايا للحرائق تمامًا كالمباني تحت وطأة الانصياع للضغوطات الناتجة عن الاجتهاد والإفراط في مساعدة وتحمل واستيعاب الآخرين على حساب أعصابهم وطاقاتهم، فيصابون باستهالك مواردهم الداخلية وانهيار طاقاتهم المبددة في محاولات ابتلاع جرعات غيظهم أو ادعاء تقبل الإهانات التي اقترفت في حقهم، فيحدث الاحتراق الداخلي، نتيجة الإمعان في الضغط على الذات، حتى وإن بدا الغلاف الخارجي سليمَا».
فالتعامل غير المراعي لمسافات آمنة يعرض الإنسان للتهلكة سيما من المحنكين في الإيذاء والإشعار بالتقصير وتمثيل دور الضحية.
- وبحسب المؤرخ الإنجليزي ديورانت: «فالمتطرفون يتقاذفون المعتدل كالكرة، فالجبان يعتبر الشجاعة تهوراً فيما ينظر المتهور للشجاعة على أنها جُبن».
فالبعد عن الاعتدال يقود للشطط، والأخير مشتق من الشط أو الشاطئ وهو الحافة أو الطرف البعيد جداً عن البحر، ومن الشطط اشتقت مفردة «الشيطان» الذي يَشُط بأفكاره أو أعماله عن طرف الاعتدال.
وقد ورد عن نبينا الكريم: «خير الأمور الوسط»، فيما وصف الإنجليز الوسطية بالـ «The Happy medium»
وقد دعا الإغريق للوسط الذهبي، كما جعل أرسطو الوسطية سببًا للسعادة بقوله: «تتوقف الفضيلة على ممارسة الاعتدال والوضوح وضبط النفس أمام الرغبات، ولا يملكها الإنسان البسيط، لكنها تتأتى نتيجة خبرة الفرد المتطور، اليقظ. فالسعادة تتأتى من تنظيم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً، فيما يعتبر الوسط فضيلة.
وهكذا تكون الشجاعة فضيلة التهور والجبن، والكرم فضيلة بين البخل والإسراف.
عندئذ يختلف الصواب في الأخلاق عنه في الهندسة، حيث يتحول الصحيح إلى المناسب.
فالوسط الذهبي ليس كالرياضي، أي متوسط محكم، النقيضان محسوبان بدقة، إنما يتذبذب مع الظروف المحاذية لسائر الأوضاع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن.

داليا الحديدي