كتاب وأراء

أيُّها الأستاذ شكرًا ـــ الدكتور العالِم محمد خليفة حسن

خولة مرتضوي
إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة- جامعة قطر
لا شكَّ أنَّ في حياةِ كُلِّ منَّا شُخوصًا وضعوا بصماتهم، بقوة، في مسار تشكيلهم الإنساني الحضاري، شُخوصًا لم يُدركوا حقيقة التحول التراكُمي الذي أحدثوه في حياة من حولهم؛ بسبب اندفاعهم المحموم في تحقيق رسالتهم البنائية في الحياة، غي عِمارة هذه الأرض ومن عليها دون التلفُّتِ إلى حجم الأثَر ورَجعِ الصدى ورد المعروف. والحمدُلله سابغ العطايا والنِعَم أنَّهُ رزقنا هؤلاء فيما رزقنا من ألطافٍ وأنعُم يعجزُ عقلنا عن الإلمام بها؛ ليُشكّلوا في حياتنا تلك الفارقة، ويشُقُّوا في أبصارِنا وأفئدتنا ما جهناه وغفلنا عنه لحينٍ من الدهر في العلم والعمل والأدب والتأدُّب.
شخصيًا أعتزُّ وأتباهَى بكُل أساتيذي وشيوخي الأفاضل، فردًا فردًا، وأُعظِّمُ فضلهم الكبير عليّ بعد فضل الله تعالى، داعيةً لهم بخير الجزاء في الدنيا والآخرة، وكُل من بذل في حقل العلم والتعليم جهدًا في نفسِهِ ومحيطه تحقيقًا لحياة وحضارة أفضل. وقد كان لي شرف أن أتتلمَذَ على يد العالم الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، أستاذ الدين المقارن الذي تشرَّفتُ بتدريسِهِ لي في مرحلة الماجستير في تخصص مقارنة الأديان وإشرافه على أُطروحتي العلمية. يُعرَف الأستاذ محمد خليفة حسن، بين أبناءه الطلبة والمتخصصين، بأنَّهُ خليفة لمعلمه المفكر والباحث الدكتور إسماعيل راجِي الفاروقي، رحمةُ الله تعالى عليه، الذي كان لهُ، ومازال من بعده، إسهاماتٌ بارزه في الإصلاح الفكري الإسلامي المُعاصِر، وقد أكمَلَ الدكتور محمد خليفة هذا الطريق شاقًا لنفسه مدرسة إصلاحيَّة خاصة حاولت تشخيص الأزمة التي تُعانِي مِنها الأمَّة الإسلاميَّة في العقدين الأخيرين، خاصة في إشكاليات علاقة (الأنا والآخر)، وقد بذل فيها عالمنا الجليل، وما زال آطال الله في عُمره، جهودًا في تفكيك إحداثيات هذه العلاقة المعقَّدة وتقديم حُلول حضارية وواقعية تُسهم في الفهم والعيش والسلام الأُممي المشترك، وقد جاءَ ذلك، عمليًا، عبر سيلٍ متدفِقٍ من الدراسات وأوراق العمل والترجمات والإصدارات المتنوعة التي ناقشت مواضيع كانت تفتقِر إليها المكتبة العربية الإسلاميَّة المتخصِّصَة في علم الأديان وتاريخ الديانات المختلفة، وقد شملَت مؤلفاتُهُ العلمية مواضيع تخصصية دقيقة في مجالها لتشمَل على سبيل المثال: تاريخ الأديان في العصر الحديث، أسفار العهد القديم، تاريخ وحضارة الشعوب السامية، الحركة الصهيونية وعلاقتها بالتُراث الديني اليهودي، الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية، أدب الجدل والدفاع في العربية بين المسلمين والمسيحيين واليهود، المدرسة اليهودية في الاستشراق إلى غيرها من المواضيع التي اعتنَت بفهم الأنا والآخر، فهمًا موضوعيًا يُسهمُ في رفع الصُور التنميطية السلبية ويُجلِّي الحقيقة المجردة ويُوضع أساسًا للتواصل والعيش الإنساني المتآزر وإعلاء الأخلاق الدينيَّة السامية.
إنَّ هذه الجهود العلميَّة الحثيثة والجادَّة؛ انبثقَت من حِرص الدكتور محمد خليفة على استمرار مشروع مدرسة الفاروقي في أسلَمَة المعرفة وتفعيل النِظام المعرِفِي الإسلامِي وبناء الرؤية الإسلاميَّة القرآنيَّة، وقد غدَت هذه المؤلفات، التي ظهرت تباعًا منذُ أواسِط ستينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، مرجعًا علميًا هامًا للمهتمين في أدبيات الأديان المقارنة والتكامُل المعرفِي والتأصِيل الإسلامي للمعرفَة ومنهجيَّة التعامُل مع مختلف مظاهر التُراث الإسلامي والفِكر الغربي.
ورُغم أنَّ شهادتي فيه شيخي ومُعلِّمي الدكتور محمد خليفة حسن قد تكون مجروحة، إلا أنِّي لم أعرف أحدًا تعرَّف عليه إلا وذكرَ أنَّهُ إنسانٌ عالم، قبل أن يكونَ عالمً إنسان، فخِصالُهُ النبيلة العالية وشخصيته الكريمة الطيبة وخُلقُه الدمث مقابل علمه الكبير؛ يشهدُ بها أكابر العُلماء وطُلابه وأبناءه في العلم في كُل مكان. فعلًا لم يكُن إنسانًا ذا بُعدٍ واحد، رغم أنَّهُ قطَع أشواطًا كبيرة من حياتِهِ مُنصرفًا إلى تأسيس مدرسته العلميَّة وإعداد وتوجيه أربعة أجيالٍ متعاقبة من طلبة تخصص مقارنة الأديان سواءً في المحروسة مصر أو في منطقة الخليج، إلا أنَّهُ لم يتناسى أبدًا دورهُ التربوي قبل التعليمي، فشهدتُه، شخصيًا، أثناء دراستي للماجستير إنسانًا متواضعًا واسع القلب والعقل، كان يتلقَّف أسئلة الطلبة بصدرٍ رحِب ويُراعِي الصعوبات التعليمية والبحثية التي يواجهونها بكل محبَّة وأمانة وصِدق ووفاء لرسالته التربوية التعليمية السامية.
محاضرات الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن كانت بمثابة موجهات منهجية لنا في رفض الدوغمائيَّة والتعصُّب الفكري، فتعلمنا منه وما زلنا أهمية التركيز والإحاطة بأبعاد المسائِل وحُسن الاستماع والاستيعاب الموضوعي للآخر أو الفكرة المقابلة قبل الحُكم النهائي عليها والسماح بالمعطيات الجديدة، ما إن وردَت، بالتحكُّم في مسار أحكامنا السالِفة (خِطاب التفكيك والتجزيء وخِطاب الفهم والتحليل). تعلَّمنا مِنهُ أخلاق العلم التطبيقيَّة خاصة في هذا الحقل الشائك والمعقَّد المتطرِّق في بابه إلى علم الإلهيات (للثيولوجيا) وعلم الأساطير (الميثولوجيا) وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم التي تتطلَّبُ من دارسيها قدرًا عاليًا من سعَة القلب والعقل والضمير معًا، واضعين أنفُسنا على مسافة (واحدة) من كافة الأديان محل الدراسة، دون الإخلال بالتزام الدارس بالذود (في موضعه الصحيح) عن قضايا دينه وأمته ووطنه وردّ الافتراءات حولها. تعلمتُ منه أنَّهُ يُمكنني أن أدرُس هذا المجال عبرَ بوابتي التخصُّصيَّة الأولى، حقل الإعلام، والعكس يكون صحيحًا كذلك؛ وذلك دفعًا منهُ لي ولغيري من الطلبة إلى أهميَّة التركيز على تلاقُح التخصصات والاستفادة من الأطروحات البينية في مجال مقارنة الأديان لِما لها من أهمية من إصلاح الواقع المعاش. ولعلَّ هذه العناية الدقيقة في الأطروحات البينية تعُودُ إلى اهتمامه بدراسة الاستشراق الذي يُعدُّ من المجالات البحثيَّة التي تجمع في دراستها لأكثر من تخصُّص علمي في آنٍ واحد، إضافة إلى حملِهِ لأكثر من هدف وبُعد مختلف أيدولوجي وفكري، وسياسي واستعماري، وفي هذا الجانب يقول الأستاذ الدكتور محمد خليفة: «إنَّهُ إذا كان هُناك من يقولُ إنَّ إسرائيل هي بنت الاستعمار، فأنا أقولُ: إنَّ إسرائيل هي بنت الاستشراق»، حيثُ أكَّدَ في مؤلفاته ومناشطه العلمية والإعلامية في هذا الجانب أنَّ الاستشراق يُعَدُّ أحد العوامل المهمة التي أدَّت لزرع إسرائيل في المنطقة؛ الأمر الذي استوجب منه ومن الدارسين من بعده العناية بهذا الحقل البيني الهام عناية معمَّقَة وموضوعيَّة.
قارئي العزيز، أدعوك إلى الاطلاع على إرث الأستاذ الدكتور العالم محمد خليفة حسن والاستفادة الجمَّة منه. وفي الختام، أُشيد بجهود عدد من تلميذات عالمنا الجليل اللواتي قُمنَ مؤخرًا بالانتهاء من تحرير وكتابة موسوعة لمؤرخي الأديان في الغرب لأستاذهن الدكتور محمد خليفة حسن، وهُنَّ كُلٌ من الباحثات الواعدات: سارة صبحي وغيداء عاشور، وهُنَّ من طالبات كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، وفي هذا المقام، أحييهن على إتمام هذا الإنجاز العلمي الذي خطَّهُ عالمنا الجليل، وأرجو لهذه الموسوعة الهامة في مجالها أن ترى النور قريبًا وأن تتبنَّاها إحدى دُور النشر المحلية في أقرب الآجال.
***
يقول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. «شكرًا» عميقة لجهود عالمنا الجليل، الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، أستاذ الأديان بقسم العقيدة والدعوة في جامعة قطر، هذه المسيرة العلمية المباركة التي امتدَّت لِما يربُو عن النصف قَرن أثمرَت وما زالت تثمِرُ في واقعنا الكثير الكثير. أطال الله لنا في عمره وفي عُمر كل عُلمائنا الأجلاء وكتب الله أجرهم ورزقهم عنَّا، طلبة العلم، خير الجزاء، وجزى الله من يرعاهم ويهتم لشأنهم كل الخير.

خولة مرتضوي