كتاب وأراء

عن الثورة الرقمية الجامحة

خالد وليد محمود
كاتب عربي
لقد أدخلت الثورة التكنولوجية والرقمية والمعلوماتية الجامحة تعديلات على طبيعة واقعنا المعاش، ومن ثم على مفهومنا لها، عبر تحويله إلى (غلاف/ محيط معلوماتي) وهذا تعبير جديد ابتـدِع في السبعينيات؛ يستند إلى مصطلح (الغلاف الجوي). ولنضرب هنا مثالا على هذه الثورة: ألم يصبح للسيارة والطائرة عشرات الأنظمة التكنولوجية (الاتصال بالأقمار الاصطناعية، وشاشة رقمية، ونظام انغلاق المكابح، والأقفال الكهربائية، وأنظمة الترفيه، وأجهزة الاستشعار...)، ألم تصبح هواتفنا النقالة ذكية وتتعامل مع كم هائل من البيانات بطريقة مذهلة وتعالجها بسرعة فائقة، في عالم انهارت فيه الحدود الفاصلة بين: الحياة المتصلة بالشبكة العنكبوتية وغير متصل بها، وأصبحنا محاطين بأجهزة ذكية غاية في الترابط، ومندمجين في هذا الغلاف وهو الذي يسمى (إنفوسفير).
هنا نتساءل، ألم تصبح الآلات تقوم بأغلب المهام اليومية، بداية من تنظيم المنزل، وتنفيذ الطلبات المختلفة عبر الأوامر الصوتية والإيماءات، وحتى تأدية الوظيفة، وليس انتهاء بتنفيذ عدد كبير من المهام في وقت واحد وبدقة عالية، مثل السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات القادرة على تأدية مهام المذيعين، والطائرات بلا طيار...؟!
من منّا اليوم يستطيع إنكار حقيقة استخدام الخوارزميات لتحليل البيانات المنشورة على «السوشيال ميديا» لدراسة الأفكار والأذواق والتوجهات والاتجاهات الفكرية والنفسية، والمشكلات والأوضاع والحركات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنسانية، فضلا عن الاختيارات والعلاقات، من منّا لا يستخدم برنامج «غوغل ماب» الذي يعتمد على خوارزميات لاقتراح الطرق والمسافات الأكثر ملاءمة وتتيح معرفة مواقع الرادارات، وتحذر السائقين من زيادة السرعة لتفادي المخالفات المرورية... هذا ناهيكم عن عشرات البرامج التي تعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي دون أي تدخل بشري!
نعم، لقد أحدثت تكنولوجيا المعلومات يا رعاكم الله ثورة هائلة في كل مفصل من مفاصل حياتنا المهنية والعملية والعلمية والصحية والترفيهية والخدمية والاقتصادية … نشعر بتأثيراتها في ثقافتنا وسلوكنا ونمط غذائنا وعلاقاتنا وخصوصيتنا التي باتت مكشوفة لا بل مسلوبة، حيث يستطيع أحدنا وهو في مكتبه أو غرفة نومه أو سيارته من إنهاء معاملاته مكان شغله أو في البنك والمؤسسة والسوق وأن يضارب في الأسهم والسندات وشراء ما يلزمه والتواصل مع أي شخص في هذا العالم بكبسة زر.

خالد وليد محمود