كتاب وأراء

دور مناهج التربية الإعلامية في دعم خطط التنمية المستدامة

خولة مرتضوي
بدأت التربية الإعلامية في مطلع القرن العشرين، وذلك عندما اقترح Levi Thomson تعليم الشباب بكيفية تمييز الثقافتين العليا والشعبية خلال خمسينيات القرن الماضي في بريطانيا، وفي الولايات المتحدة الأميركية ظهر مفهوم التربية الإعلامية ليصاحب التأثير الكبير والمتنامي لوسائل الإعلام حينئذ، مثل: الراديو والتلفاز. وقد أطر مفهوم التربية الإعلامية في شكل نظريات ومناقشات علمية في ستينيات القرن الماضي، إذ هدفت هذه المناقشات العلمية الجادة إلى تنمية الوعي والثقافة الإعلامية كي تدعم وتتماهى مع خطط التنمية المستدامة. تلت تلك المرحلة انتقال هذه المناقشات المحلية إلى طور عالمي، فأصبحت التربية الإعلامية ضمن مناهج التدريس في العديد من جامعات العالم، وقد ناقشت تلك المقررات التساؤل العريض: «ما الذي يتعلمه الجماهير المختلفة من وسائل الإعلام؟».
لقد هدفت التربية الإعلامية منذ بدايتها إلى نفض التبعية العمياء والاستعباد والإدمان المرضي الذي يسيطر على الجماهير عند متابعتهم لمضامين وسائل الإعلام المختلفة، وانطلقت التربية الإعلامية من هدف تحقيق التنمية الاجتماعية المستدامة عبر حماية الجماهير من الآثار السلبية لهذه الوسائل ولبعض المضامين السامة التي تقدمها، وقد تطور هذا الهدف عندما أصبحت وسائل الإعلام جزءًا أساسيًا ومحوريًا من حياة الفرد اليومية، فتطورت الأهداف لتشمل توعية الجماهير بأشكال الاستهلاك الإيجابي لهذه الوسائل الجماهيرية وفهم دورها ووظائفها في هذا الزمن. إن أهداف التربية الإعلامية متنوعة ومتعددة نظرًا لتنوع النظريات والمعايير المختلفة في هذا المجال وارتباطها بمفاهيم أخرى مثل: الثقافة الإعلامية، الوعي الإعلامي، التنمية الإعلامية، المضامين الإعلامية، ورغم هذه الأهداف المختلفة إلا أنها تتفق في ضرورة إكساب الجماهير مهارات التحليل والنقد -(نموذج المتلقي النشط: أي يتحكم الفرد في تفسير المضمون الإعلامي الذي يتعرض له)- والوعي والاستنتاج وانتقاء المضمون الهادف بما يتفق مع المبادئ والمعايير الأخلاقية.
إننا نعيش اليوم في قرية عالمية تسودها بيئة مشبعة بالوسائل الإعلامية المختلفة التي تبث مضامينًا مأدلجة ومسيسة تحقق من خلالها أهداف واستراتيجيات ورؤى ومصالح القائم على الاتصال في هذه الوسائل، ومن هنا تبرز أهمية الوعي بالتربية والثقافة ومحو الأمية الإعلامية، فهي أنجع سبيل لتفكيك الرسالة الإعلامية والتعرف على هدف تصنيعها وبثها وفهم المنتج الإعلامي بشكل متبصر، وبالتالي فهم كيفية وآلية استخدامها بالشكل الصحيح النافع، وتحقيق الهدف التنموي المنشود. يتعرض الطلبة في مختلف المراحل التعليمية لأرخبيل كبير وخطير من المضامين الإعلامية التي تفدهم من كل حدب وصوب، لذا كان لزامًا على القائمين على وضع المناهج التعليمية؛ تخصيص مناهج تعليمية تعنى بالتربية الإعلامية، وتقوم بدور توجيه الشباب وتوعيتهم وتثقيفهم إعلاميًا ليتمتعوا بمهارات التفكير النقدي والتحليلي وتحميلهم مسؤولية ما يقررون الاستفادة منه أثناء تعرضهم لمضامين وسائل الإعلام، فمن مخرجات هذه المناهج رفض تمييع القيم والضوابط، ونبذ الإمبريالية بكافة أشكالها، وفي المقابل تكريس قيم التنمية المستدامة والديمقراطية والتعايش السلمي والتسامح الديني والحوار الحضاري والديني.
إنه من الملاحظ أن شهية مجتمعاتنا وخاصة شبابنا ضمن المراحل التعليمية المختلفة (من المدرسة إلى الجامعة) مفتوحة لاقتناء المنتجات التكنولوجية الجديدة والاستفادة من برامج التواصل الاجتماعي، ولكن في المقابل لا يوجد اهتمام حقيقي، كما يجب، بتخصيص مناهج تعنى بموضوع التربية لإعلامية أو محو الأمية الإعلامية أو الثقافة الإعلامية أو التنمية الإعلامية وذلك في غالبية الأقطار العربية منها بشكل عام والخليجية بشكل خاص.
إن أهداف التربية الإعلامية كثيرة ومتعددة، ويمكن إيجازها في النقاط التالية: حماية الطلبة من الأثر السلبي لمضامين وسائل الإعلام المختلفة خاصة في عصر ثورة الاتصال (الإنترنت) والفضاء المعولم، تنمية مهارات التفكير والمشاهدة الواعية والناقدة والانتقائية، تحفير الطلبة ومساعدتهم على التعبير عن آرائهم المختلفة بحرية تامة، إكساب الطلبة عدد من المبادئ الأساسية في مهارات التفسير والنقد والتحليل ليتعرف على الأهداف العلنية والمبطنة لمضامين وسائل الإعلام المختلفة، دعم الهوية الدينية والثقافية والوطنية والمحافظة عليها بشتى الطرق، إمداد الطلبة بالمعلومات الكافية التي تعينهم على فهم أفضل لأجندة وسائل الإعلام المختلفة التي تسعى إلى تنفيذها على أرض الواقع من خلال المضامين المتنوعة التي تقوم ببثها وإنتاجها بشكل يومي ودوري، تزويد الطلبة بالثقافة الإعلامية الشاملة التي تهدف إلى وضع كل ما يعرض عليهم إعلاميًا على ميزان النقد الواعي المتبصر، والحكم على مدى صلاحية أو فساد هذه المضامين، تكوين جيل واع ومبدع ومتمسك بالمرجعية الإسلامية الرصينة، ويسهم في تنمية بلاده والذود عنها وتحقيق استراتيجياتها ورؤاها المختلفة، مواجهة سيل العادات الغربية الدخيلة والقيم السلبية التي دخلت على مجتمعاتنا الإسلامية والعربية بحجة حرية الإعلام والفضاء المعلوماتي المفتوح، تطوير المهارات التقنية والتكنولوجية لدى الطلبة وتوجيههم لطرق إنتاج المادة الإعلامية، دعم خطط التنمية المستدامة.
وعليه، أجد أن العناية بمناهج التربية الإعلامية ستعالج الكثير من الأمراض الثقافية والاجتماعية والنفسية والتنموية التي يعاني منها جيل الشباب، مثل مشكلة الأمية الحضارية والتعصب المحلي، التخلف الإعلامي التكنولوجي، الأمية السياسية، مشاكل الحوار مع الآخرين. وفي مقابل ذلك ستمكن مناهج التربية الإعلامية من تحقيق أهداف تربوية وتنموية عظيمة، تكمن في: تعبئة الشباب بالشكل الإيجابي النافع لمواجهة الأحداث الجارية والمحتملة والطارئة في محيطه (فهم ما يجري وتقدير تبعات ما يجري)، استيعاب الشباب لآليات ومقتضيات عصر العولمة والتفاعل الحيوي والأصيل معها ومساعدتهم للتصدي لأشكال الغزو والاستعمار الحضارية والثقافية الجديدة، تحقيق متطلبات المواطنة الصالحة وتنمية الوعي بالثقافة والخصوصية المجتمعية الأصيلة وعلاقتها بالمتغيرات الجارية، إكساب الشباب مهارات الاتصال الفعالة التي تساعده في النماء اجتماعيًا وثقافيًا وتمكنه بالتالي من مواجهة التحديات التي يواجهها بشكل فعال.
إنه من واجب الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها المؤسسات التعليمية أن تعتني بنشر الوعي والتربية والثقافة الإعلامية، فهي تعتبر اليوم عنصرًا حيويًا وهامًا من عناصر تكوين المواطن الواعي المستنير في هذا الفضاء المعولم، فمتى ما كان المواطن واعيًا بهويته وثقافته الأصيلة وملمًا بمجريات الساعة كان مؤهلًا لاستخدام أدوات الإعلام والاتصال بطريقة ناجحة وهادفة، وبالتالي تزيد قدرته في التعبير عن نفسه ووطنه وهويته بشكل مسؤول وملتزم وصحيح. ومن الثمار الإيجابية التي تحققها التربية الإعلامية هي المشاركة الفعالة في تنمية المجتمع، فهي تمكن الجماهير من تقييم وتفسير وتحليل المضامين الإعلامية وتكوين آراء واتجاهات واعية نحوها، كما تمكنهم من أن ينتقلوا من مرحلة استهلاك المضمون الإعلامي إلى مرحلة إنتاجه بشكل فعال وهادف ومتميز.

خولة مرتضوي