كتاب وأراء

مطلب تطوير التعليم العام وتحديات الوباء العالمي

خولة مرتضوي
كاتبة وباحثة أكاديميَّة
قسم الإعلام والنشر
في جامعة قطر
khawlamortazawi@gmail.com
بعد هذه الجائحة التي ضربت العالم بأسره لما يربُو عن العام، أصبحت مسألة النظر في استشراف مستقبل التعليم ما بعد وباء (كوفيد - 19) من المسائل الضرورية المُلحَّة، خاصَّة مع اضطرار عدد كبير من الدول في العالم الشرقي والغربي إلى إعادة فرض عدد من الإجراءات الصارمة للاحتراز من تفشِّي الوباء مجددًا في مجتمعاتها، الأمر الذي أبعَد فكرة العودة إلى حياتنا الطبيعية السابقة، على الأقل في الفترة القريبة القادمة، مِمَّا تبقَّى من هذا العام، وهو أمرٌ سيؤثِّرُ بلا شكّ في المخرجات التعليميَّة المأمولة التي تتطلَّعُ لها وزارات التربية والتعليم، وقد يكون التأثير سلبيًا أو حتى إيجابيًا، وذلك يعتمد على قوَّة وفاعليَّة الإجراءات والسياسات التعليميَّة التي تتدارك تداعيات الوباء وانعكاساته على أقطاب العملية التعليميَّة (المعلِّم- المتعلِّم- البيئة التعليميَّة الافتراضيَّة- الرسالة المنهج الدراسي).
وهُنا أُشير إلى أنَّ العملية التعليميَّة سواءً في مدارسنا أو جامعاتنا المحلية قد مرَّت منعطفات مختلفة، في فترة الوباء السابقة، وذلك في محاولة دؤوبة، من هذه المنظومات، للتكيُّف الفعَّال مع هذا الوباء العالمي الجديد وتعقيدات الظروف والإجراءات الاحترازيَّة التي أحاطت ومازالت تُحيط به، وفي هذا أُشير إلى الدور الذي قامت به دولة قطر في المحافظة على (مناعَة) نظامها التعليمي والحفاظ عليه، ما استطاعَت سبيلًا، من الضعف والتهديد الذي توعدَت بِهِ، ابتداءً إرهاصات هذه الجائحة العالمية المتقلِّبة.
إنَّ هدف إتاحة التعليم مجانًا للجميع ليكُونَ مثل الماءِ والهواء، هدفٌ بليغٌ في حدِّ ذاته، ويحتاج إلى كفاءةٍ وقوة واستيعابٍ شمولِي، سواءً في المراحل التعليميَّة الأولى أو المرحلة الجامعيَّة، وهذا الهدف، تحديدًا، يتطلَّبُ لتحقيقه، كذلك، مُعالجة وتطوير المنظومة التعليميَّة لتُصبِحَ منظومةً متناغِمَة مع أقطابِها الأربع، المذكورة آنفًا، ومع مُستجدِّات الظروف والشرائِط التي تُرخى بظلالها، قسرًا وجبرًا، على هذه المنظومة. وفي الحقيقة، يبقى تنفيذ هذا الهدف السامي، بالشكل الإيجابي، رهنًا لتطبيق استراتيجيات تُحاول الوصول إلى حُلول غير تقليديَّة وأنماط غير مستوردة، إداريًا وتنظيميًا وأكاديميًا، لتنبُعَ من أرض الحقيقة أرض الواقع وتُواجِه التحدِّيات الراهنة والمستجدَّة بالشكل المطلوب.
وقد لعبَت وزارة التعليم والتعليم العالي أدوارًا حقيقية في تطوير واستقرار السياسات التعليميَّة المتَّبعة في مدارس الدولة المختلفة، وذلك من خلال المتابعة والتقويم المستمر، مواجهة في هذا المجال، المجال التعليمي، المليء بالتحدِّيات والمتغيِّرات والتعقيدات الحادَّة إضافة إلى مطالب وضغط الرأي العام؛ بجدِّية ووعي وحساسيَّة لإدارة الأمور بحزم أولًا ثم بالحكمة والجرأة في التعاطي، والأمر ما زال بحاجة إلى مزيد من السعي الحثيث من القائمين في الوزارة أو المخططين الاستراتيجيين في مجال التعليم، فكما ذكرت، وباء كوفيد الجديد جعلنا نقف على أرض غير صلبة، متقلبة بتقلُّب الجائحة في العالم، وعليه فهم أول المطالبين بتوفير ردَّات فعل علاجية وتطويريَّة تتكافئ وتستوعب مطالب الرأي العام (الأهالي والأبناء) وتواجه المخاطر والتهديدات الحالية بالشكل الذي يُحقق الهدف التعليمي المرجو، القريب منه والبعيد.
مهمَّة التطوير التعليمي والتربوي في الظروف الطبيعية والاستثنائيَّة مهمَّةٌ صعبة وخطيرة، وهي تحتاجُ، فيما تحتاج، إلى إعداد وتدريب القُطب الأهم من أقطاب العمليَّة التعليميَّة، ألا وهو المُعلم، الذي من حقّ المنظومات أن تقومَ على إعداده، بشكلٍ مستمر، ليُصبِح قادرًا على مواكبه التطوير وبل وعلى إحداث التطوير في نفس الوقت، وليُصبح مكتسِبًا لكفاياتِه المهنيَّة والتدريسيَّة والقيميَّة، وهذا المطلب يحتاجُ إلى بذل جهود (ماديَّة ومعنويَّة) لتحقيقه بشكلٍ جاد في أرض الواقع، وذلك إيمانًا عظيمًا بأنَّ وُجود المعلم التربوي الجيِّد في المنظومة التعليميَّة؛ من شأنِهِ أن يُصلِح التعليم (مدخلاته الحالية ومخرجاته المتوقعة) والذي سيكون لهُ عوائده الاجتماعية والاقتصادية والتنموية العامَّة.
إنَّ تحقيق الهدف الرابع ضمن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر في خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، وهو «ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع»، يحتاجُ على بذلٍ رأسي وأفقي تقوم بهِ القطاعات التعليميَّة الكُبرى في دولة قطر، وبشكلٍ جاد وقصدي، وعلى رأسها هُنا وزارة التعليم والتعليم العالي، فهذا الهدف يُحقِّقُ كذلك، فيما يُحقِّق، رؤية قطر 2030، التي تهدف إلى تحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلًا بعد جيل.
وفي الختام، يُمكنني القول أنَّ عملية التعليم ترتكِز، بالكُليَّة، على عددٍ من الاستراتيجيَّات الحديثة، مثل استراتيجيَّة التعليم الغير مباشر، التعليم التفاعُلي، التعليم الذاتي، إضافةً إلى تطوير الاستراتيجيَّات الكلاسيكيَّة التقليديَّة المبنيَّة بشكل رئيسي على التعليم المُباشر، وكُل هذه الاستراتيجيات تقف بدورها في طابور التطوير والتحسين والتدريب المستمر، تحقيقًا لهدف الإصلاح التعليمي كذلك، فهذه التحسينات المأمولة (صغيرها أو كبيرها) في هذه المجالات ستؤدِّي، بدورها، بالضرورة، إلى إصلاح المنظومة التعليميَّة من رأسها إلى منتهاها، بإذن الله تعالى، وتُوصِل المعرفة، المُبتغاة، إلى المتعلِّم وتخلِق لديه (الخبرات الحسِّيَّة) الدوافع المطلوبة، وتُوجد عنّدَهُ الرغبة في التنقيب والبحث والعمل الدؤوب للوصول إلى المعرفة والتأثُّر والتأثير فيها (الخبرات الملموسة الماديَّة).
يوم السبت الموافق 3 أبريل 2021، تُنظم وزارة التعليم والتعليم العالي المنتدى الافتراضي للتعليم 2021 تحت شعار «رؤى وتطلعات-تتجاوز التحديات»، وذلك بهدف عرض الأفكار ومناقشة الممارسات وتبادل الخبرات بين المهتمين بقضايا التربية والتعليم؛ من خلال تقديم عدد من ورش العمل والمحاضرات التي سيطرحها الأساتذة من الجامعات والجهات المشاركة والخبرات المتميزة من معلمي وقيادات المدارس والوزارة، وذلك من خلال المحاور الآتية، المحور الأول: دمج التعليم من أجل التنمية المستدامة في المناهج الدراسية، المحور الثاني: المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل والتنمية المستدامة، المحور الثالث: الرؤى الجديدة للتعليم في مرحلة الطفولة المبكّرة، المحور الرابع: دور الإشراف والقيادة التربوية في تعزيز التنمية المهنية المستدامة للمعلمين، المحور الخامس: تأصيل الشراكات المجتمعية لتحقيق التعليم من أجل التنمية المستدامة، مع التركيز على دور التكنولوجيا ومستجدات التعليم ما بعد جائحة كوفيد -19، وفي هذا المقام، أوجِّهُ بدعوة لكافة المهتمين بهذا الحقل العلمي التنموي للحضور والمشاركة الفاعلة؛ لتحقيق الهدف المرجو من هذه التظاهرة التعليمية السنوية، التي أحرِصُ، شخصيًا، على حضورها والاستفادة القُصوى منها في مجالي المهني والتخصصي.

خولة مرتضوي