كتاب وأراء

ملح العيد

الأعياد بعيدا عن الوطن تُملح أوجاع المغتربين وتصبغ جراحهم بصبغة اليود، بل تحتاج لمجهود نفسي ليتخطوا هذه الأيام بسلام، فمحاولة التكيف مع عادات مستجدة في الأعياد عملية مرهقة خاصة بإزاء أفراد اضطروا للبعد عن الحناين ولسان حالهم يصرخ: من قال إننا نغترب لنعيد أو لنفرح؟
يبدو أن العيد عبادة تحتاج لنية، وللأسف فإن نية الفرح مفقودة في قلوب بعض المغتربين لشعروهم أنهم ليسوا في أماكنهم أو بين أهليهم، فيضنون بإظهار الفرح لأن أعماقهم على قلب رجل واحد حزين.
العجيب هو إصرار الإنسان مغتربا كان أو مواطنا مقيما في ربوع وطنه على إثبات عدم أريحيته مع إعلان معاناته على الملأ، بل لتجدنه أحرص الناس على إثبات أن غربته داخل أحضان الوطن أقسى، ما يدخلنا في مزاد التباهي بالصعاب درءًا للحسد أو لكنود الإنسان وسخطه السرمدي وتقوقعه حول فرديته ومشاكله ويكأنه الوحيد المبتلى في الكون مع إصراره على المجاهرة بآلامه والكشف عنها كما يفعل المتسول الذي يسفر عن عاهته ويعوز نفسه لمساعدة آخر.
فأحدهم يتسول دعماً مالياً والآخر يشحذ دعماً معنوياً ما يبرهن اكتراثنا لما في أيدي الناس ومبالاتنا الأشد لألسنتهم، فالبعض يعنيه وبشدة لرأيهم لو قالوا: نجح أم فشل، طلق أو فسخ، أنجب وعقب، أم أبتر وعقم.
المؤسف أن هذه الثرثرات كفيلة بدفع العامة للتبرير والتعليل وحتى بين صفوف النخبة المتحققة والناجحة فإن رأي الغير موضوع اعتبار حتى أن أشهر العظماء المنتحرين تركوا رسائل ممهورة بتوقيعاتهم تعنون حزنهم وتثبت أن انتحارهم جاء ليؤكد لمن يتوهمون أنهم شخصيات سعيدة.. ها هو انتحارنا لدليل على سوء تقديركم.
فرغم أن الحياة مليئة بالمواقف الحياتية التي ننجح أو نفشل فيها فلا نجاح سرمديا ولا إخفاقات خالدة وحتى العثرات تقود للنجاح، إلا أن البعض مصمم على أن يعيش كذبة خداع النفس بالسعادة المتضخمة أو بالحزن الموغل، فيحرصون على إرسال رسائل للناس أننا نعيش وفق مشروطية مجتمعية متحققة فيسعون للحصول على درجة علمية معينة لصعود السلم الاجتماعي أو لإثبات سوء تقدير مدرسه الذي قال له: «ابصق على وجهي لو فلحت في الهندسة»، فيدرس الهندسة التي يكرهها ليثبت لفلان خطأه وكان الأجدى أن يتعرف على مواطن نبوغه، فطباخ كالشيف شيربيني أنجح واثرى عشرات المرات من مهندسين وأطباء فشلة.
فالحقيقة أن الله لم يخلقنا دونما موهبة لكن قليلين من وهبوا القدرة على الدعس على كلام الناس والمشي فوقه وأقل منهم من يفتحون أعينهم حين يفتحونها على كثير مع تجاهل المحبطين.
لقد صدمت حينما سمعت من العقاد أنه حاول الانتحار في شرخ شبابه، لكن يبدو أن الاستمرار في الحياة يحتاج لقوة روحانية وتبقى حقيقة انعدام نسبة الانتحار بين العارفين بالله، افتقروا أم فشلوا، أنجبوا أم عقموا، اغتربوا أم توطنوا، مقابل تفشي ظاهرة الانتحار بين النخبة المتعلمة وبين سواهم من الجهلة الذين ينسون في لحظة يأس كل نعم الله من حولهم، فلا يركزون إلا على محنة ابن فقدوه، أو حب أضاعوه، أو وظيفة سلبت، أو منصب زال، أو سواها من صدمات الحياة.. والأسماء لا حصر لها منها هيمنجواي، فرجينيا ولف، صلاح جاهين، اروى صالح، جورج إيستمان، داليدا، مارلين مونرو، فيكتور ماير وفان جوخ.
ليس العيد وحده من يحتاج لنية فرح، بل تعتاز الحياة لأصحاب نوايا عازمة على الاجتهاد لنيل السعادة أو التسلح بالرضا بالمقادير مع اليقين بأن كل جرعة من ملح العيد سيتلوها جرعات من كعكات الحياة الحلوة «ولسوف يعطيك ربك فترضى».
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي