كتاب وأراء

أخلاقيات وقوانين الممارسة الصحفية في بيئة الإعلام الجديد «2»

خولة مرتضوي
إن واقع الإعلام الجديد جعل من أمر الالتزام بالأخلاقيات التطبيقية - الأخلاقيات المهنية الإعلامية الصحفية أمرًا في غاية التعقيد، فالصحفيون مازالوا هم أنفسهم، لكن الوسيلة أُضيفت إليها تقنيات وتكنولوجيات جديدة، ما أدى إلى إحداث ثورة كبرى في بلاط الإعلام والصحافة، فهذا البلاط ارتبط به منذ بدايات طلوع المهنة بوظيفة حراسة البوابة الإعلامية Gatekeeper والتي تعني السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث يصبح لحارس البوابة سلطة اتخاذ القرار فيما سيمر من خلال بوابته، وكيف سيمر حتى يصل في النهاية إلى الجمهور المستهدف، فحراسة البوابة اليوم لا يقوم بها الصحفيون فقط، بل يقوم بها كل المواطنين الذين يستخدمون ويفيدون ويستفيدون من تكنولوجيات الإعلام الجديد. وعليه فإن البيئة الإعلامية الجديدة هذه شكلت لحالة من الفوضى، فالصحفيون المهنيون يقدمون الصحافة مع سيل آخر غير موثوق وغير معلوم من المواطنين الصحفيين المغردين والمدونين، الأمر الذي جعل الأخلاقيات الصحفية على المحك. كما أن المستجدات المتسارعة على الساحات المحلية والدولية في ظل طوفان المعلومات وتزايد مصادر الإعلام الرسمية والشخصية؛ جعلت الصحفي يتسرع أحيانا في نشر مادته أو قصته الخبرية على حساب التأكد والتثبت والاطمئنان على صحتها وموضوعيتها، وهو ما يسمى بظاهرة (الحمى الإعلامية).
إن التجارب الصحفية العالمية تؤكد أن الصحفيين العاملين في الإعلام الجديد يخضعون إلى ذات آليات المساءلة والمواثيق الأخلاقية المتصلة بالإعلام الكلاسيكي التقليدي وعلى رأسها حقه في الحفاظ على سرية مصادره، وعليه فإن الصحفي في هذا الفضاء الافتراضي لا يتمتع بالحرية المطلقة، ولا يمكنه، قانونيا وأخلاقيا، أن ينشر خبرا أو أن يفشي معلومة دون أن يتحقق منها، كما لا يمكنه أن يقوم بالسرقات العلمية والفكرية، حيث يتطلب منه أن يشير، في كل الأحوال، إلى مصادر خبره الرئيسية. وننوه إلى أن الصحفي المقصود في هذا السياق، هو المهني الذي ينتمي إلى مؤسسة إعلامية صحفية حريصة على مكانتها وصورتها لدى الجمهور والمجتمع، الأمر يضبط سلوكه المهني ويوجهه إضافة إلى المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن يراعيها الصحفي في البيئة الجديدة والتقليدية على حد السواء، وذلك على اعتباره عضوا فاعلا ومؤثرا ومسؤولا في المجتمع الإنساني العريض.
وحتى تتضح الرؤية، فإن بيئة الإعلام الجديد ألزمت الصحفيين على كافة المبادئ الإعلامية الصحفية المطبقة في الإعلام الكلاسيكي التقليدي، إضافة إلى بعض المبادئ الجديد التي تختص بطبيعة المجال الإلكتروني الجديد، منها: حق الصحفي في الحفاظ على سرية معلوماته وبياناته ومصادره، وحقه في عدم الكشف عن كلمة المرور الخاصة به، وحقه في عدم تتبع تنقلاته الإلكترونية، وحقه في حماية أجهزته الإلكترونية ومنصاته وتطبيقاته ومواقعه من الاختراق والتنصت، وحقه في الوصول المباشر إلى وسائله ومصادره الإعلامية المختلفة، وحقه في استنباط واستخدام طرق إلكترونية جديدة في التواصل مع الجماهير، وحقه في إرسال واستقبال المعلومات وتخزينها واسترجاعها بطريقة إلكترونية، وحقه في الوصول والانتفاع إلى مصادر المعلومات التي تفرض قيودا بشرط استخدامها في الخدمة العامة، وحقه في التأهيل والتدريب التقني والمهني مما يمكنه من استخدام التكنولوجيات الجديدة بشكل فعال، وحقه في الحصول على بدل تكنولوجيا وذلك لتطوير مهاراته الصحفية الرقمية، وحقه في العمل على أجهزة حديثة ومتطورة، عدم تعديه على حقوق المواقع الأخرى أو اختراقها وتعطيلها عن أداء عملها، عدم تحريره ونشره لمواد أو روابط أو فيروسات قد تؤثر على مصداقية الوسائل الإعلامية وسرية العمل بها.
إن جزءا لا يستهان به من أخلاقيات الإعلام والصحافة يحدده، بطبيعة الحال، التشريع والقانون، ولكنه لا يتدخل نهائيًا في ترتيب الأخبار والمواد الصحفية أو يفرض على الصحفي ما يجب تصديره في الصفحة الأولى أو تأخيره في الصفحات الأخيرة، أو تقديم خبر على حساب خبر آخر، أو حتى صياغة مادة صحفية من زاوية نظر معينة وخاصة، وعليه فإن القانون لا يضيف إضافات جديدة إلى جانب الأخلاقيات التطبيقية المعنوية للمهنة لكنه يؤطرها بشكل إلزامي مادي بحت، فالأخلاقيات المهنية إنما تثمن القيم السامية الكبرى (المصداقية، الاستقلالية، التنظيم والسلوك والممارسة الصحفية الأنموذجية).
يقول الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجيا الجماهير): «إن سن القوانين باستمرار ودون توقف، وكذلك سن التشريعات المقيدة التي تغلف أصغر عمل من أعمال الحياة بعبارات بيزنطية معقدة؛ يؤدي في نهاية المطاف إلى التقليص التدريجي للدائرة التي يمكن للمواطنين أن يتحركوا داخلها بحرية، فالشعوب تقع ضحية ذلك الوهم القائل بأنه كلما زدنا من عدد القوانين؛ فإن المساواة والحرية تصبحان مضمونتين بشكل أفضل، وهكذا تقبل كل يوم بفرض إكراهات قسرية جديدة». وعليه فإنه مهما عظمت التشريعات والقوانين الرادعة، فإن الممارسات الصحفية عليها أن تقاد أولًا بالضمائر والمواثيق الأخلاقية الصحفية التي تعلو قيمة وأثرًا على التشريع والقانون.
وفي المقابل، أجد أننا اليوم بحاجة ماسة إلى استنهاض جمعيات أهلية مختصة بحماية حقوق متلقي الإعلام (التقليدي والجديد) يكون دورها الرئيسي إبرام عقد اجتماعي بينها وبين المجتمع، عقدٌ يلتزم بما يلي: توعية الجماهير بمخاطر الإعلام السلبي، وتثقيفهم وتعزيز الدافعية لديهم لحسن اختيار وانتقاء المضمون الإعلامي في هذا الفضاء الفسيح، وتحفيز مؤسسات المجتمع المختلفة (الأسرة، المدرسة، المسجد، الجامعة، مؤسسات العمل.. إلخ) لتفعيل دورها في التوجيه والضبط الإعلامي، وذلك تحملًا للمسؤولية الإعلامية الواقعة على كتف الجميع في زمن الإعلام الجديد، إضافة إلى حث التنظيمية والتشريعية لاستصدار القوانين والأنظمة والمواثيق والمبادئ التي من شأنها حماية المجتمع من الممارسات الإعلامية والصحفية السلبية وفرض مفهوم الحرية المسؤولة على كافة أشكال الإعلام الجديدة والتقليدية.
إن هذه الجمعيات أو النقابات أو الهيئات المجتمعية بمختلف تسمياتها عليها أن تعين أنفسها حاميًا للممارسات الإعلامية، وتكلف فريقًا مختصًا بمتابعة مدى التزام وسائل الإعلام، في نطاق عملها الجغرافي، بالقوانين والأنظمة والأخلاقيات الإعلامية، وتخاطب رعاة وملاك وسائل الإعلام بضرورة الالتزام بهذه القوانين ومقاضاة الأطراف، الإدارية والمهنية، التي تسيء استخدام الحرية الإعلامية، وترفض مراعاة قيم المجتمع وتستخف وتهون في الالتزام بمبدأ المسؤولية المجتمعية، فهذه الوسائل الإعلامية بما تحمله من إداريين وإعلاميين يعتبرون خطرًا يهدد سلامة المجتمع، فأي خطأ أو مواربة منها فإنها ستقود الرأي العام إلى الخطأ الذي لا عودة منه.
{ إعلامية وباحثة أكاديمية-
قسم الإعلام والنشر- جامعة قطر

خولة مرتضوي