كتاب وأراء

ليبيا والتقدم على طريق العاصفة

محمد هنيد
أستاذ مشارك بجامعة السوربون
لا شك أنّ الأخبار القادمة من ليبيا خلال المدّة الأخيرة تُعدّ أخبارا سارّة لأنها تحقن دماء الليبيين وتوقف الحرب الأهلية التي أشعلتها القوى الإقليمية والدولية من أجل السيطرة على ثروات هذا البلد الكبير.
انتخاب المجلس الرئاسي والحكومة المؤقتة والاستعداد للانتخابات خطوة مهمة على طريق الخروج من الأزمة وبناء الدولة والخروج من حقبة الاقتتال المسلّح.
لكن من جهة أخرى هناك من يرى في هذه النهاية بداية للمعركة الحقيقية في سبيل بناء الدولة الوطنية والخروج بالبلاد من أتون الصراعات القبلية والنزعات المناطقية. وهو الأمر الذي يضع أمام التشكيلة السياسية الجديدة تحديات كبيرة بسبب خطورة السياق وحساسية المرحلة وتراكم المطبات التي خلفتها عشر سنوات من الصراع الدامي بين أبناء الوطن الواحد.
كيف يمكن ترميم هذا الكمّ الهائل من الخراب وإعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس صلبة تمنع إمكانيات الانزلاق نحو منظومات استبدادية جديدة ؟
صحيح أن ليبيا تمتلك احتياطيا ضخما من الموارد الطبيعية ومن المساحات الشاسعة مقابل عدد محدود من السكان وهو الأمر الذي يسهّل عليها ترميم الخسائر المادية وإعادة عجلة الاقتصاد إلى سالف نشاطها.
لكن من جهة مقابلة يرى ملاحظون أنّ الثروة الليبية كانت هي الدافع إلى التقاتل بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة وهي السبب في إطالة أمد الصراع هناك وفي تدخل القوى الأجنبية والمرتزقة والجيوش من أجل منع الليبيين من وصول إلى طريق الوفاق الوطني.
لا شك ولا خلاف في أنّ الأطماع الإقليمية والدولية في الثروة الليبية هي أحد أهم أسباب الحرب بين الشرق والغرب هناك لكنها لا تحجب خطورة الانقسامات الداخلية التي تشكل حصيلة تراكمات طويلة من حكم الفرد المستبدّ.
إنّ أخطر تحديات الفريق السياسي الجديد إنما يتمثل أولا وقبل كل شيء في تحييد التشكيلات العسكرية الخارجة على القانون وطرد القوى والميليشيات والمرتزقة الأجانب ووضع الأسس اللازمة لسيادة سلطة القانون وعلوية مؤسسات الدولة المدنية. كما أنّ الفريق الحاكم مُطالب بوضع خطط طويلة الأمد لامتصاص اللآثار الجانبية للصراع المسلح الذي أعقب سقوط الطاغية لأن إعادة اللحمة الوطنية وتجاوز العصبيات القبلية تعدّ من أخطر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة.
تمتلك ليبيا كل مقومات البناء والنماء، لكنها تحتوي كذلك على كثير من بذور الصراع، مما يجعل المشهد مفتوحا على كل الاحتمالات الممكنة وهو ما يطرح على العقلاء هناك ضرورة تغليب المصلحة الوطنية وتجاوز الإرث الثقيل الذي خلفه نظام القذافي للخروج من دوامة الفوضى نحو طور البناء الذي تأخر كثيرا.

محمد هنيد