كتاب وأراء

الإقلاع عن التبذير بحسن التدبير

تحقيق - آمنة العبيدلي
لا تزال التوصيات التي أطلقها مجلس الشورى الموقر مؤخرا يتردد صداها في المجتمع، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها وجدت أذنا واعية وعقولا متفتحة، حيث كان هناك توصية بضرورة توعية المجتمع بالابتعاد عن الترف والتبذير والرفاهية الزائدة من خلال تشجيع الأنشطة والفعاليات التي تُعَوّد النشء على تحمل مسؤولية وحسن إدارة موارده المعيشية، وبطبيعة الحال ونحن نقترب من شهر رمضان الكريم نحتاج إلى تعزيز هذا السلوك في مجتمعنا.
الوطن في هذا التحقيق تستطلع آراء عدد من علماء الدين والمواطنين حول مسألة التبذير والإسراف وكيفية التخلص من هذه العادات التي نهانا عنها ديننا الحنيف، حيث أجمع الدعاة على أن مثل هذه السلوكيات جاءت فيها نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة تحث على ضرورة الاعتدال في الإنفاق وعدم الإسراف.
وقالوا إن تلك السلوكيات ربما نراها لدى كثير من الناس في شهر رمضان تحديدا، مؤكدين على ضرورة الاعتدال في كل شيء حماية لأسرنا ومجتمعنا.
ونبذ مواطنون تصرفات البعض المتمثلة في التكالب على الشراء دون الحاجة في وقت التنزيلات بالأسواق أو حتى شراء سلع بأسعار باهظة لمجرد التفاخر، وقالوا إنه سلوك مرفوض، حيث إن الإنسان باستطاعته أن يستعيض عن كل ذلك بسلع معتدلة الثمن وتؤدي نفس الغرض، موضحين أن الأبناء قد يكتسبون تلك الخصال من الأمهات والآباء.

الإنفاق يكون على قدر الحاجة
أكد الداعية فضيلة الشيخ عبدالله النعمة أن الدعوة إلى عدم التبذير التي أطلقها مجلس الشورى الموقر جاءت في وقتها لأننا على مسافة قريبة من شهر رمضان الفضيل الذي تكثر فيه الأسر من التبذير، نعم هذا السلوك في التبذير موجود طول العام ولكنه في الوقت ذاته يزداد في الشهر الفضيل عن غيره من الشهور، حيث إن أغلب الأسر تحرص على أن تكون موائد رمضان عامرة بكل ما لذ وطاب، بكميات كبيرة فائضة عن الحاجة، لذلك علينا بترشيد الإنفاق بشكل متزن وشراء الاحتياجات على قدر الحاجة فقط، فالاقتصاد العالمي والعربي يعاني الكثير من المشاكل التي تجعل الناس أكثر حرصًا في إنفاق أموالهم، خاصة مع وبعد جائحة كورونا.
واستطرد قائلا: صحيح الشائع بيننا أن المرأة هي الأكثر إسرافًا من الرجل، سواء في ملبسها أو إنفاقها عموما، لكن هناك من الرجال من هم أكثر إسرافا وتبذيرا في أموالهم ومقتنياتهم، فالأمر نسبي ويرتبط بحجم ما يتوفر لدى الفرد من مغريات نحو الإسراف، والحقيقة أن كلا من الرجل والمرأة مسؤول، وإن كان الإسراف والتبذير أكثر في المجتمع النسوي نسبيا، ومن ثَم فإن الزوجة التي تعد وتطبخ، والزوج الذي يجلب وينفق كلاهما متهم في الشراهة الاستهلاكية، التي تنتاب مجتمعنا في رمضان وغير رمضان، وللأسف نجد الأبناء يكتسبون هذه العادات المذمومة من أسرهم لأن من شبّ على شيء شاب عليه، وبالتالي ندعو الأسر إلى الاعتدال قال تعالى في سورة الإسراء: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»، فالإنفاق إذن يكون على قدر الحاجة.

سلع بآلاف الريالات للتظاهر
قالت السيدة أمل النعيمي إن مجتمعنا في حاجة فعلا إلى الأخذ بتوصية مجلس الشورى الموقر لأننا نلاحظ فعلا مظاهر متعددة للتبذير خاصة بين الشباب من الجنسين، فمثلا ترى كثيرا من الشباب الواحد منهم في معصمه ساعة بعشرات الآلاف من الريالات، في حين أنه يمكنه معرفة الوقت من الهاتف الذي معه، وإن كان لابد من وجود الساعة فإن ساعة بسعر معقول تؤدي الغرض، وفي نفس الوقت ذات تصميم إبداعي، وبالنسبة للبنات والسيدات تجد الواحدة منهن معها حقيبة يد بعشرات الآلاف من الريالات، ومن العجب أن تصميمها ليس بالإبداع اللافت في حين أن حقيبة بسعر معقول تؤدي الغرض وذات تصميم أجمل، ويمكننا أن نقيس على الساعات والحقائب أمورا كثيرة، فضلا عن التفاخر بموديلات السيارات.
وأضافت: أعتقد أنه قد حان الوقت لتغيير سلوكنا ونظرتنا للحياة والرفاهية، ونجعل عادات التبذير والإسراف شيئا من الماضي، نقلع عن التبذير في الانفاق وفي استهلاك المياه والكهرباء والإفراط في استخدام الهواتف بدون دواع، فالله سبحانه وتعالى نهى عن الإسراف والتبذير في مواضع كثيرة بالقرآن الكريم والرسول نهى عنهما في أحاديث صحيحة كثيرا ودعا إلى الاعتدال، ويكفي أن كل شيء سوف نسأل عنه أمام الله مرة واحدة ما عدا المال سوف نسأل عنه مرتين مرة مما اكتسبناه، ومرة فيما أنفقناه، فهذه دعوة لشبابنا من الجنسين إياكم والتبذير فإن عواقبه وخيمة.

علينا بالاعتدال في كل شيء
قال الداعية الشيخ أحمد البوعينين: نحن في حاجة إلى توصية مجلس الشورى بالابتعاد عن التبذير، لأن الإنسان منا، لو تأمل فيما ينفق سيجد نفسه ينفق ربما نصف ميزانية الأسرة على أشياء غير ضرورية لو استغنينا عنها، لن نشعر بأنه ينقصنا شيء، والتبذير له أوجه كثيرة منها الإسراف في شراء مواد غذائية تزيد عن الحاجة، وبعد فترة تلقى في حاويات القمامة لانتهاء صلاحيتها، فلا يحتاج ان نشتري بكميات كبيرة والحمد لله كل شيء متوفر في بلدنا من أمن غذائي وفـــــي جـــميــــع النــــــواحي الأخرى ايضا، ولقد قرأت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى فيه عن الإسراف في الطعام والشراب ويقول فيه: «ما مَلأ آدمي وِعاء شرا مِن بطنه، بحسبِ ابن آدم أُكُلاتٌ يقِمْن صلْبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لِشرابه، وثلث لِنَفَسِه»، فإذا كان التبذير في الطعام والشراب، وهما ضروريان للحياة منهيا عنه فما بالنا بالتبذير والإسراف في شراء ملابس وساعات وإكسسوارات للمنزل كثيرة لا داعي لها؟ لا شك الأولى أن نقلع عنها.
إن الأموال التي يمكن توفيرها من وراء الاقتلاع عن عادات التبذير يمكن أن تحل أزمات كثيرة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وقد اتضح لنا هذا جليا خلال جائحة كورونا، فجميع شعوب العالم شعرت بأهمية الاعتدال في الإنفاق، وأهمية ثقافة الادخار، ونحن عندما ندعو إلى عدم التبذير فهذا لا يعني أن نبخل على أنفسنا بما هو ضروري في الحياة، وأيضا بين الكرم والإسراف لابد ان نفرق بينهما، ولابد أن نحمد الله على جميع النعم، ولكن ندعو إلى الاعتدال، وننوه لخطر الإسراف والتبذير
يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، فلابد أن يكون الاعتدال في كل شيء.

التنـــزيـــــلات تــــغــــري بالشــــــراء
قال السيد علي الكبيسي إن العروض والتخفيضات الكبيرة التي تقدمها أغلب الشركات في مواسم التنزيلات وقبيل رمضان وخلال شهر رمضان تجذب الأسر إلى شراء كميات كبيرة من السلع بمختلف أنواعها تفوق احتياجاتهم بداعي انخفاض أسعارها، مما يرهق ميزانية الأسر بل وتسهم في خسائر ملموسة، حيث إن البضائع المخفضة في كثير من الأحيان تكون مدة صلاحيتها ليست كبيرة أو أن التخفيضات تكون وهمية، لذا فإنــــــه ومع شراء الأسر كميات كبيرة ينتــــــــهي الحال بإلقاء الكثير منها في القمامة.
وأضاف: لا شك أن التنزيلات من الأساليب التسويقية والترويجية المطلوبة ونشكر الشركات عليها، لكن الهدف منها تنشيط السوق لا الدعوة إلى شراء ما لا يلزم، ولكن للأسف ما نراه في بعض المناسبات من تجاوز الحد في الإنفاق والبذخ، وتفاخرٍ بالموائد ومغالاة في الصالات المستأجرة، وتنافسٍ في الملابس وأنواع الحلل والحلي، وإهدارٍ للذبائح والإكثارِ من الحلويات والمشروبات، يوضح مدى ما يعانيه المجتمع من غفـــــــــــلة عن المنهج الوسطي في الإنفاق، ولذا علينا أن نتذكر الماضي الذي كان يعيش فيه آبــــــاؤنا وأجـــــــدادنا، ومدى المعانــــــــاة التي كانوا يتعرضون لها في ضيق العيش وقلة ذات اليد، وانظروا كيف كانت عيشتهم، كانت تقوم على اليسر وعدم التكلف، وتقديم ما يسره الله في الزيجات والمناسبات الأخرى، في تواضع جم وكرم وشهامة وراحة بال، وطيب قلب وسعة صدر، وكانت المحبة والألفة بين الناس في أبهى صورها وأعلى معانيها، وكانت ألسنته لا تكف عن الحمد والشكر والثناء على الله عز وجل فأين نحن من هذا.

نشهده على موائدنا في رمضان
قال الداعية الشيخ عايش القحطاني: في البداية أتقدم بالشكر إلى مجلس الشورى الموقر على أن أطـــــلق هــــــذه التوصيات في هــــــذا التوقـــــــــيت بالذات، لأننا على مقــــــربة من شهر رمضان الفضيل، وللأسف فإن الناس في شهر رمضان تزيد من التـــــبذير والإسراف على عكس ما هو مطلوب منـــــــهم، ألا وهو الصــــــيام أي الامتـــــــناع عن الأكل والشرب مـــــــن أذان الفجــــــــر حتى أذان المــــــــغرب.
وأضاف: الإســــراف يتخذ أشكالا كثيرة، ويعد الإسراف في الطعام والشراب الذي نشهده على موائدنا لا سيما في شهر رمضان الفضيل من أهمها، بالإضافة إلى الإسراف في استخدام المياه وهدرها، والإسراف لا يقتصر بمفهومه على الحاجات المادية فقط إنما يتعداها ليطال مصادر الطاقة أيضاً، فنلاحظ في حياتنا تبديداً للكهرباء والوقود، ويعتبر الإسراف سلوكاً ذميماً لما له من آثار وخيمة تنعكس على الفرد فتفقره ولو بعد حين، وعلى المجتمع فتؤثر على اقتصاده العام وتضعفه، كما أن له آثارا نفسية تتمثل في حقد الفقراء على الأغنياء عند رؤية ما يبددونه من أموال وملبس ومأكل هم بحاجة إليها، كما أن الإسراف يخلق في نفس الفرد الكِبر والغرور، وجحود النعم، ولأجل ذلك قال تعالى في كتابه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وقد حذر الإسلام من التبذير والإسراف وجاء ذلك في قوله تعالى: (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيــــــراً إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً).
وفي تفسير هذه الآية: هم إخوان الشياطين وأشباههم ومن هم على طريقتهم في التبذير والإشراف وترك طاعة الله تعالى، وقال صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة)، وهذا يشمل ويبين ويوجه إلى عــــــدم الإسراف في جميع أمورنا الحـــياتية، وقال عبدالله بن عباس: من أنفق درهما في غير حقه فهو مسرف.

آمنة العبيدلي