كتاب وأراء

التوحش الطبقي

رشا عمران
كاتبة سورية
في حادثة فريدة البشاعة حدثت مؤخرا بمصر، قام مالك منزل برفقة زوجته وبواب العمارة بقتل طبيبة، تسكن مستأجرة في منطقة شبه شعبية في القاهرة، تبلغ من العمر ستة وثلاثين عاما، ورميها من شرفة الطابق السادس، وكانت ذريعتهم لهذه الجريمة، أن الشابة الطبيبة التي تعيش وحدها استقبلت زميلا طبيبا لها، وأنهم أرادوا تأديبها على هذا الفعل اللا أخلاقي، وأنها هي من ألقت بنفسها من الشرفة، غير أن التحقيقات المبدئية كشفت أن الشابة قد تعرضت للضرب العنيف، وأنها بكامل ثيابها، (أي أن تهمة الزنا التي ادعاها الجناة ساقطة عنها حسب الشرع الإسلامي الذي ارتكبوا جريمتهم باسمه)، وأنه لا وجود للرجل الذي استقبلته، فعادة ما تحدث جرائم النوع هذا حين تكون الضحية في وضعية التلبس، أما في حالة الضحية الطبيبة فالأمر ليس هكذا، هم اقتحموا شقتها غالبا بعد زيارة زميلها أو قريبها (إن كان هناك من زارها أصلا)، وارتكبوا فعلتهم بهدوء وذهبوا، إلى حين اكتشاف التحقيق مسؤوليتهم عن الحادثة فتم القبض عليهم.
تثير هذه الحادثة الكثير من الأسئلة حول الجرائم التي ترتكب بحق النساء في مجتمعاتنا العربية وأسبابها وكيف يتم التستر عليها، أو تخفيف العقوبة عن المجرمين، إذ للأسف فإن معظم القوانين الموضوعة تسمح بحدوث جرائم الشرف التي تكون النساء ضحيتها دائما، (مثلا الزوجة التي تكتشف زوجها متلبسا في وضعية الزنا وتقتله، تعاقب بوصف ما فعلته جريمة كاملة، ولا تصنف فعلتها تحت بند جرائم الشرف، وغالبا ما تأخذ حكما بالإعدام أو السجن المؤبد، على عكس الزوج أو الأخ أو الأب أو القريب الذي يأخذ حكما مخففا)، هذا فيما يخص الأقارب والأسر المعنية، أما في حالة الطبيبة الضحية، فإن الوضع أكثر تعقيدا وتركيبا، إذ ثمة وصاية مجتمعية منحتها ذهنية ذكورية تشكلت عبر عقود طويلة، تبيح لأي ذكر، حتى لو أنه لا تربطه أية صلة بالفتاة أو السيدة، أن يجعل من نفسه قيما ووصيا على سلوكها، وبالتالي معاقبتها ولو بالقتل، (حماية للشرف الرفيع)، وهنا في حكايتنا يزداد الأمر تركيبا، إذ أن من ارتكب الفعل هو مالك الشقة، ثمة سلطتان هنا (الذكورة والمال)، وثمة خضوع العامل (البواب) لرب عمله، ومساعدته في الجريمة، وهذه علاقة أخرى مركبة في عالم الصراع الطبقي في مجتمعاتنا، هناك شيء آخر أيضا، لو أن الطبيبة مالكة للمنزل وليست مستأجرة لربما تعرضت للمضايقات الاجتماعية إن زارها رجل (في منطقة ليست راقية وليست شعبية بالكامل، ففي المناطق الشعبية والعشوائيات تصبح الحياة أكثر تسامحا)، لكن لن تصل المضايقات إلى حد القتل، وهذا يعني أيضا أن فتاة في مثل سنها وتستأجر منزلا في منطقة راقية وتعيش وحدها، لن تتعرض ربما حتى للمضايقات مهما كان نوع حياتها.
تنتمي شريحة الفتاة والمنطقة التي تعيش فيها إلى الطبقة الوسطى الأدنى، تلك الطبقة التي باتت في مجتمعاتنا هي البؤرة التي تصب عندها كل الأفكار المتطرفة، وهي الحامل الاجتماعي لكل أمراض المجتمع، فهي لا تملك ما يؤهلها للعيش في مستوى الطبقة الأعلى وبالتالي لا يمكنها تبني قيمها، وبنفس الوقت هي ترى في نفسها المرتبة (الأرفع) من مرتبة الطبقات المصنفة (تحت خط الفقر)، والتي تعيش حياتها في العشوائيات والمناطق الشعبية جدا، وتنظر إلى سكان العشوائيات نظرة استعلائية مشابهة لدونية نظرتها للطبقات العليا في المجتمع، هذا الالتباس والارتباك في مستواها المعيشي، الذي يجعلها تقف على حافة هاوية، يدفعها للتمسك بما تعتقد أنه مجموعة من القيم التي تظن أنها ستحميها من الانهيار، من هذه (القيم) المحافظة على الشرف على الطريقة القبلية والعشائرية، مع أنها تعيش في مجتمعات مدينية لكن التوحش في الصراع الطبقي يعيدها إلى ذهنية القبيلة، حيث الذكر هو السلطة، لاسيما إذا كان هو صاحب المال والملك، ومن حقه الدفاع عن (شرف) قبيلته.
المال والملك قوة وسلطة، لا يمكن أن يحدث ما حدث للطبيبة الضحية في منطقة راقية، ولفتاة تنتمي إلى طبقة راقية، حتى لو تململ المحيط الاجتماعي من سلوكها، وهو ما يجعلنا نضع (الطبقية) كواحدة من أهم أسباب أمراض وعلل مجتمعاتنا، خصوصا وأن ثمة توحشا في الغنى في العقود الأخيرة، مثلما هناك توحش في الفقر تصبح معه القيم الاجتماعية مدعاة للسخرية، بينما يعيش الآخرون (بين الطبقتين) في حالة من عدم التوازن، التي تجعلهم متلقين لكل العلل الاجتماعية ومتقمصين لها في سلوكياتهم وسردياتهم اليومية.
الأدهى من كل ذلك، في حالة قصتنا عن الطبيبة الضحية، أنه ثمة احتمال ورد في التحقيقات والأحاديث، أن صاحب العقار يريد أن يخليها منه قبل نهاية العقد، وهي رافضة لذلك، فاخترع قصة (الزنا) تلك لقتلها، وهو يعلم أن هذا سوف ينجيه من العقاب الشديد لو اكتشف أمره، وربما يمكنه التضحية بالبواب الذي (ثارت حميته الأخلاقية) فقتلها في فورة غضب، يدرك المالك هنا أن القانون سوف يحميه إن استطاع إقناع المحققين بهذا، يدرك أيضا أنه من السهل إقناع أي محقق ذكر بهذا، أما سمعة الفتاة فتصبح من النوافل، من سيهتم بسمعة فتاة مقتولة بجريمة شرف؟!

رشا عمران