كتاب وأراء

إسلامية المعرفة

مرت ذكرى رحيل الدكتور منصور حسب النبي دون ذكر لأعماله العلمية التي تفرغ لها سنوات طويلة ونشر جانبا من نتائج أبحاثه في كتب ترجم بعضها إلى عدة لغات والدكتور حسب النبي من علماء الطبيعة والكيمياء وله عدة مؤلفات لإثبات العلاقة القوية بين الإسلام والعلم ولشرح منهج التوجيه الإسلامي للعلم والمعرفة وتشكيل العقل المسلم وبناء الثقافة الإسلامية، وضرورة العودة إلى هذا المنهج الإسلامي لكي تستأنف الأمة الإسلامية مسيرة تقدمها في عصر العلم والتكنولوجيا ولإعادة الثقة للأجيال الجديدة وهم طلائع المستقبل.
والقضية الأساسية عند الدكتور حسب النبي أن الدين الإسلامي يتميز بإسلامية المعرفة وليس هناك انفصال بين العلم والدين بل إن المسلم الحق مطالب بأن يؤمن بأهمية العلم وعليه أن يدرك أن الادعاء بهذا الانفصال ادعاء مزيف نتج من انفصال العلم عن الدين في أوروبا في العصور الوسطى.
ولكن الوعي الإسلامي الجديد في عالمنا المعاصر فإنه يهدف إلى بناء الحياة الإنسانية في جوانبها كلها بناء ينقذ البشرية من جمود المتزمتين ومن علمانية المحدثين، ويتخلص من الكهنوت الرجعي والتغريب المستحدث ليقيم حضارة ذات قيم سامية قائمة على إسلامية المعرفة تحقق التكامل بين الفرد والمجتمع والدولة في مجالات الفكر والعلم والمعرفة والسلوك والعمل.
والإسلام في دراسات الدكتور حسب النبي يمثل الرؤية المستقبلية لبناء حضارة إيمانية تعتمد على العلوم والتكنولوجيا وبذلك يدرك المسلم حقيقة تسخير الكائنات للإنسان ومفهوم القيم والأخلاقيات كما نزل بها الوحي الإلهي. والإسلام وضع أسس المعرفة التي تهدي الإنسان إلى الخير وتحيط بجميع الجوانب الكونية والإنسانية، وتستوعب العصور والحضارات وتجمع بين المادة والروح وبين الدنيا والآخرة دون إفراط أو تفريط ولكن بالتزام الصراط المستقيم الذي جاء به الإسلام.
وإلى ذلك فإن الإسلام يربط بين الحواس والعقل ليصل بالإنسان إلى التوازن والكمال، والإسلام نزل ليخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والوعي والعلم، وعلى ذلك فإن كل علم يكشف عن أسرار خلق الله في الكون والحياة ويؤدي إلى تقدم الإنسانية في مسارها هو علم إسلامي، والهدف من إسلامية المعرفة هو إعادة تشكيل عقل المسلم، وبناء الثقافة الإسلامية وتقديم البديل المعرفي الإسلامي الذي تشتد حاجة الأمة إليه في وقتنا الحاضر في عصر العلم والتكنولوجيا، وهو أيضا عصر طغيان المادة وشعارات التغريب وما شابهها، ولا شك أن هذا المفهوم يدعو الأمة الإسلامية إلى التجديد الدائم وإلى التطور.
ويدلل الدكتور حسب النبي على أن آيات القرآن في الكون كثيرة وأول من عقلها هو النبي صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وفي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة صلاة طويلة وهو يبكي في قيامه وركوعه وسجوده وأتاه بلال فسأله: ما يبكيك يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ هذه الآية «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار» (سورة آل عمران: الآيتان 190-191).

بقلم : رجب البنا

رجب البنا