كتاب وأراء

ثمار النضال النسوي

رشا عمران
كاتبة سورية
يحتفل العالم في الثامن من مارس من كل عام باليوم العالمي للمرأة، وهو اليوم الذي حددته منظمة الأمم المتحدة لهذه المناسبة، إثر عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي في باريس عام 1945، وهو تحالف نسائي يضم العديد من الأحزاب الشيوعية ذلك الوقت، بينما أصل الفكرة يرجع إلى عام 1908، حين خرجت أكثر من خمسة عشر ألف امرأة في مظاهرات في شوارع نيويورك، احتجاجا على الانتقاص من المعاملة، وسوء الأجور المخصصة للنساء العاملات، ومنعهن من حق التصويت، كان ذلك اليوم هو الثامن من مارس، وهو ما جعل نساء التحالف يخترنه لعقد أول مؤتمر لهن، وبدورها اختارته الأمم المتحدة ليسجل في أدبياتها بوصفه: اليوم العالمي للمرأة.
إذا، منذ أكثر من مائة سنة بدأت نضالات المرأة في العالم للتحصل على بعض حقوقها المهدورة، وللمطالبة بقوانين تضمن حقوقها وتساويها بالرجل مساواة كاملة، ومن هذه المطالبات انبثقت الحركات النسوية، الفكرية والسياسية والثقافية، والتي استطاعت عبر نضالاتها الطويلة انتزاع القوانين التي تنصف المرأة والطفل معا، بعد تعنت طويل، ورفض عنيف من قبل المؤسسة الذكورية البطريركية في العالم الغربي، التي كانت، ومازالت حتى اللحظة، تملك السلطة السياسية والاقتصادية، أي سلطة القرار وسن القوانين، التي كان من الممكن جدا أن تستمر بتعسفها ضد المرأة في الأجور وحقوق المواطنة، لولا أن المنظمات النسوية حول العالم، استخدمت كل الوسائل لفرض قوانين تساوي المرأة بالرجل، حتى ليقال إنه في إيطاليا استخدمت زوجات أعضاء البرلمان الإيطالي سلاحا أنثويا محضا، إذ اتفقت الزوجات على منع رجالهن من معاشرتهن وقتا طويلا، وعممت الفكرة على غالبية النساء الإيطاليات، وذلك ليفرضن على الرجال، أصحاب القرار، إقرار تلك القوانين، وليجعلن عموم الرجال قابلين لهذه المساواة، ولو على مضض، وبالفعل تم ذلك في البرلمان الإيطالي، وأقرت القوانين المطلوبة، رافق ذلك مظاهرات مستمرة في كل العالم، ومطالبات يومية واحتجاجات دائمة من قبل النساء، تعرضن خلالها للعنف والتنمر، غير أن هذا لم يجعلهن يتراجعن عن مطالباتهن، حتى تم إقرار قوانين تساوي حقوق المرأة بحقوق الرجل، وقوانين أخرى تكفل ضمان تلك الحقوق، بحيث تطال العقوبة من يتعرض لها، وهو مازالت السلطة الذكورية تحاوله حتى الآن في المجتمعات المتقدمة، إذ حتى الآن، هناك تنمر ضد المرأة بما يخص موضوع التوظيف تحديدا: إذ تفضل كل المؤسسات والشركات في العالم توظيف الشابات ذوات (الشكل المثالي) الذي فرضته أصلا ماكينة إعلامية اقتصادية استهلاكية ذكورية، وصاحبات البشرة البيضاء، (إذ أن التمييز الجنسي عادة ما يترافق مع تمييز عنصري أو طبقي أو ديني، وهو مالم يستطع العالم التخلص منه بشكل نهائي، إذ ما زالت العنصرية واحدة من أسوأ مشاكل البشرية)، وحتى الآن، بعد أن ضمنت النساء في العالم الغربي حقوقهن وأطفالهن بشكل كامل، مازالت النساء العاملات في كل المجالات تتعرضن للتحرش من قبل أرباب العمل، والتحرش ليس سوى شكل من أشكال انتهاك الحقوق، التي تحدث بسبب الإحساس بالتفوق الذكوري، المحمي أصلا من قبل الذهنية الذكورية السلطوية الاجتماعية، وهو ما يجعل من استمرار وجود المؤسسات النسوية في العالم أمرا هاما وضروريا، إذ لا يبدو أن تلك الذهنية قابلة للتغيير بشكل كامل، ثمة انتهاكات تحدث دائما ضد النساء في كل العالم، ستكون المؤسسات النسوية جاهزة لفضحها والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها.
ما سبق كله، يتعلق بالعالم المتقدم، أوروربا وأميركا وكندا واستراليا، وبعض دول العالم الثالث التي استطاعت الحركات النسائية فيها فرض نفس قوانين المجتمعات المتقدمة.
في بلادنا، الأمر يختلف كثيرا، إذ تعاني المنظمات النسوية من تنمر متعدد الاتجاهات سياسي واجتماعي وديني، أما الأسوأ في ذلك، والذي يعيق فعلا نجاح عمل هذه المنظمات هو التنمر الذي تتعرض له الناشطات النسويات من النساء أنفسهن، إذ ثمة حالة من التماهي بين الكثير من النساء العربيات وبين الذهنية الذكورية السلطوية المسيطرة على المجتمع، تماه مذهل وشديد التعقيد والتركيب، بحبث يصبح تفكيكه هو العمل الأهم للحركات النسوية العربية لجعل النساء يدركن أهمية أن يكون لهن حقوق مساوية لحقوق الرجال في التعامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، في الحقوق والواجبات، في كل شيء، إن لم يتم تفكيك هذه الذهنية فلن يؤتي نضال النسويات العرب أية ثمار مفيدة.

رشا عمران