كتاب وأراء

الهوية والجنسية والتجنيس

رشا عمران
كاتبة سورية
ذات يوم، من سنوات طويلة، أسرّت لي صديقة مقربة بالمشاكل التي تعانيها شقيقتها الصغرى التي تعيش في ألمانيا مع زوجها الألماني، وأنها لا تعرف كيف ستساعدها للتخلص من تلك المشكلات التي تجعل حياتها تشبه الجحيم، وأخبرتني أن الخلافات بينهما وصلت إلى حد متقدم، فهو لا يتورع عن ضربها أمام ابنتها الصغيرة، أعترف أنني أصبت بالدهشة، ليس فقط لأن الزوج المقصود ألماني (كما أخبرتني صديقتي)، ويتجرأ على ضرب زوجته، وهو أمر نادر الحصول في دول أوروبا، إذ أخبار تعنيف الزوجات بهذه الطريقة، هي أخبار لقلتها تصبح معروفة وتتم معاقبة المعنف مباشرة ما أن تتقدم الزوجة بشكوى رسمية، أو حتى إن لاحظ أحد الجيران هذا النوع من التعنيف، بل استغربت كيف تحتمل شقيقة صديقتي أن يقوم زوجها بضربها، ولماذا لا تهدده على الأقل بتقديم شكوى، وهما في بلد يحترم حق حقوق المرأة، ويعتبر التعنيف الجسدي ضد النساء والأطفال إحدى الجرائم التي يعاقب عليها القانون، قلت لصديقتي هذا الكلام، لتفاجئني بالقول: (إن تقاليد عائلتنا لا تسمح بهذا، شقيقتي ترفض أن يتم تناولها من قبل أفراد عائلة زوجها، فهو قريبنا أساسا)، عرفت بعد المفاجأة التي أصابتني، أن زوج شقيقتها هو ابن عمتها المتجنس بالجنسية الألمانية منذ مدة قصيرة، أي أن الشاب لم يكن ألمانيا كما حاولت صدقتي إفهامي، كان فلسطينيا سوريا، هاجر إلى ألمانيا في هجرة غير شرعية وهو صغير السن، ثم استطاع التأقلم وتعلم اللغة وإكمال دراسته والحصول على الجنسية الألمانية، التي تمنحها الحكومات الأوروبية لكل من يحقق شرط معرفة اللغة والعمل ودفع الضرائب والالتزام بالبقاء عدة سنوات في البلد دون مغادرتها، والالتزام بالقوانين العامة.
غلب طيع ذلك الشاب تطبعه، رغم وجوده في ألمانيا في سن صغيرة نسبيا، ومحاولة اندماجه في المجتمع الألماني عبر اللغة والعمل، إلا أن ذلك لم ينفعه في التخلص من تربيته الذكورية التي نشأ عليها في مجتمعه وبيئته الأصلية، التربية التي تبيح للذكر تعنيف زوجته وأطفاله، والتصرف كديكتاتور صغير في بيته، أذكر أنني قلت لصديقتي يومها: كيف تقولين إنه ألماني؟ أجابتني: هو يحمل الجنسية الألمانية، والحقيقة هو لا يحمل الجنسية الألمانية، هو يحمل جواز سفر ألمانيا، يتيح له أن يصبح مواطنا يحصل على كافة حقوق المواطن الأصلي، وهي، بكل حال، نفس الحقوق التي يحصل عليها حاملو أوراق الإقامة الأوروبية، غير أن جواز السفر الألماني أو الأروربي عموما، يتيح له حرية الحركة والتنقل بين دول العالم بشكل أكثر سلاسة وأقل تعقيدا من تعقيد سفر الحاصلين على الإقامة فقط.
تستدعي هذه الحادثة السؤال عن مفهوم الجنسية والهوية، ما هو؟ هل هو مجرد أوراق رسمية وثبوتية؟! هل يكفي حمل جواز سفر أميركي أو أوروبي ليصبح حامله أميركيا أو أوروبيا؟ سيكون الجواب: نعم، لو كان الأمر يتعلق بالمعاملات الرسمية والقانونية والحقوق والواجبات والتعامل، غير أن الهوية موضوع مختلف تماما، الهوية هي محصلة تراكم العادات والتقاليد والتفاصيل الصغيرة والكبيرة التي نشأنا عليها، الهوية هي اللغة التي نطقنا بها أول كلماتنا ونحن أطفال نحبو، الهوية أيضا هي اللغة التي نفكر بها ونتخاطب بها مع من نشأنا معهم وبينهم، هي اللغة التي بنيت عليها قناعاتنا وإيمانياتنا ومبادئنا وجملتنا العصبية وعقلنا الباطن ووعينا وإدراكنا، نحن ندرك الأشياء بالوعي، والوعي تشكله اللغة أولا، هويتنا هي ذلك الوعي الذي تراكم شيئا فشيئا عبر اللغة التي تعلمنا نطق أحرفها ما أن بدأنا في الكلام، «في البدء كانت الكلمة» ليس عبثا هذا القول وليس مجانيا، فاللغة هي أساس كل شيء، اللغة من حيث هي منطوق نفسي ومادي معا، يستخدم للتعبير عن أدق تفاصيل النفس البشرية، قد يتقن أحدنا لغة المجتمع الجديد الذي يعيش فيه، قد يتقنها تماما، ولكن مثلا: تخيلوا أن هذا الشخص يروي طرفة من الطرائف التي نتداولها نحن العرب وتسبب لنا الضحك، تخيلوه يرويها لمجموعة من أصدقائه الألمان، هل تتوقعون أن تسبب لهم الضحك كما تسببه لنا؟ أستطيع أن أجزم أن لا، إذ أن الطرائف تبنى أولا على اللغة وتبدلاتها ومفارقاتها، وعلى التداخل بين السلوك واللغة، خصوصا اللغة في نسختها الشعبية المحلية، وهو أيضا ما يجعلنا نسخر من طرفة يرويها لنا صديق فرنسي مثلا، نسخر منها لأننا لا نجدها مضحكة، ونستغرب طريقته بالضحك بعد انتهائه من روايتها، وفي الحقيقة أن طرفته تلك سوف تضحك كثيرا الفرنسيين، أو أولئك، من أصول أخرى، الذين نشأ وعيهم على اللغة الفرنسية، الذين ولدوا في فرنسا واستوطنوا لغتها، بينما لغتهم الأصلية أصبحت هي اللغة البديلة، هؤلاء فقط يمكننا أن نقول إن هوياتهم أوروبية حقا، أما امتلاك جواز سفر أوروبي مع وعي ولغة يومية وعقل باطن يفكر بلغة أخرى، فهذه ليست هوية ولا جنسية، هذا تجنيس لتسهيل حياة الشخص في المجتمع.

رشا عمران