كتاب وأراء

الغرفة رقم «14»


في هذا العيد وتحديدًا في عتبته الرمضانية الأخيرة كان عليّ أن أخوض وجعًا ليس ككل وجع، فقد غفت الحنونة غفوتها الأبدية بهدوء على سريرها في الغرفة 14 بمركز الحسين للسرطان.
تسعة أعوام قضتها في صراع مع هذا الوحش الخبيث.. في صباح ذاك اليوم وقفت مطولًا أمام عينيها، وأمسكت بيدها ومسحت على رأسها، وكلما هزّني وجعها وأنينها احتضنتها وقبّلت جبينها.. تأملت وجهها الدافئ وعينيها المتعبتين من جرعات المورفين والترامال...حاولتْ بكل ما أوتيت من قوة قهر المرض والتغلّب عليه، لكنه بدا أكثر خبثًا مما نعتقد، فسرق منّا أغلى ما نملك قبل العيد بيوم.
هل حانت لحظة الاستراحة من التعب والألم يا غالية؟ هل أتعبتك الحياة وأنت الصبية الفتية؟ فيا ليت العمر يا أمي يشترى ويساوم (1964-2016)؟
كم كانت أنفاسك السريعة التي تبدو كغزال بريّ يركض تتعبني وتقتلني! فكل الأطباء وأجهزتهم لم ينجحوا بمساعدتك على البقاء بيننا وقضاء العيد بين ظهرانينا؛ رغم أنني قرأت حال عينيك اللتين استنهض منهما الهمم بأنك تعشقين الحياة، فشددت على يديك، ووعدتك كطفل صغير وأنا طفلك المدلل أن أبقى في انتظارك تعودين بعد ليلة أو شهر أو سنة.. ككل القديسين محملة بالزهر الأبيض والنور.
في الغرفة 14 قلت لك كل الكلام على عجل، وهمست لك بكل الحب، فالوقت أقصر من أن أنتظر صمت الفواصل بين الجمل.
جميع من كانوا حولك انتبهوا لابتسامتك وأنت (تودعينا) وتستبقين العيد لمعايدتنا.. أتدرين أن ابتسامتك كانت لي كلمة سر طمأنينتي منذ طفولتي؟
في حضرتك أيتها الغالية كان علينا أن نكون متوضئين بماء الصبر، تغشانا سكينة ممزوجة بوخز اقتراب الغياب. سألت نفسي: هل حان وقت الرحيل؟ لم تجبني أمي لكنها أنّت وتألمت، وقد قد أشغلت عينيها جرعات المسكنات والأكسجين المضغوط!!
في الغرفة 14 كان الوقت يمر بلا دقائق ولا ساعات. كل ما هنالك ساعة رملية تنهار من الداخل.. فتتسرب رمالها شيئا فشيئا، كنت أريده أن يتسمرّ هنا، حتى لا تأتي لحظة الفراق.
دون أن أدري ما أفعل، وقفت بلا وقت في حضرة عينيها، أهدهد يديها المتعبتين، وأمسح على رأسها، كلما اجتاحتها هجمات الوجع. وكأن حمام سكينتي تجفل فجأة، فلا أسمع سوى أنينها وصوت أجنحة الطير الخائف.
فإذا ما هدأت أخاف أكثر لا بل أرتعب.. اقترب من وجهها وكأني أسألها عن سبب هدوئها بعد كل هذا الوجع: «هل مازلت هنا أمي؟ فتفتح شيئا من عينيها على روحي فاستريح قليلا. كم كان يقتلني أنينها مرة وهدوءها مرة. وكأني معها أعيش بين الخوفين.
في الغرفة 14 الحمام يحط على عتبة النافذة دقيقة ثم يطير. يغيب ساعة ثم يعود إليها وكأنه يريد أن يطمئن. تتذكرين يا غاليتي وأنتِ تطعمين الطيور وتعطفين عليها.. كل ما هنالك أنهم يريدون الاطمئنان مثلنا!
في الساعة الأخيرة، وقف الحمام طويلا على النافذة، وصمت من حولها.. كانت أمي على سريرها ترتاح كحديقة في أوج قداستها. ودعتنا بابتسامة رقيقة جدًا بعد أن هرب منها النبض، وانخفض الأكسجين لتغفو غفوتها الأبدية.. وقتها سمعت هديل الحمام وكأنه لأول مرة. بينما أمي ترتاح على السرير... رحلت هادئة وادعة مطمئنة فزادت على وحشة الغياب غياباً..
أمي الغالية.. في الخامس من يوليو من كل عام سيظل تاريخ نكستنا جرحًا غائرًا وحزنًا طائرًا بعد أن أصبح العمر وحيدًا وقاسيًا. أمي.. عندما ستطرق الذكرى نافذة الغياب؛ سأتركُ العمرَ «مواربًا» لأنك ستعودين لنا ولو حلمًا جميلًا.. بأمان الله يا حنونة.
بقلم : خالد وليد

خالد وليد محمود