كتاب وأراء

دور الجامعات في تأهيل الشباب لتحمل المسؤولية المجتمعية

خولَة مرتضوي
إعلاميَّة وباحثَة أكاديميَّة- جامعة قطر
تعتبر الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي في العالم بمثابة منابر النّور والهداية المجتمعيّة والأمميّة، فمنها يتحقّق التأثير والتأثّر الإيجابي والتنمويّ المطلوب للتغيير والنهضة الشاملة، ومنها يتم صنع نواة القادة والمؤثّرين في المجتمع في مختلف المجالات السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة وكافّة المجالات النهضويّة الأخرى.
إنّ جامعات القرن الواحد والعشرين اختلفت أهدافها وتطلّعاتها باختلاف متطلّبات العصر والفترة الزمنيّة التي تقطع بها الإنسانيّة جمعاء، فأصبح اليوم ينظر للجامعة على أنّها تصنع الإنسان وتسلّحه بالأطر المنهجيّة السليمة التي تعينه على مواجهة أزمات وتحدّيات وضرورات هذا الزمن، فكان لزاما على هذه المؤسسات أن تعيد النظر في رؤاها وأهدافها وبرامجها بما يحقّق أهدافها المرحليّة الجديدة.
لقد أفرز التركيز التامّ لبعض الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي على هدف تكوين وتأصيل الجانب العلمي والمعرفي لدى طلبتها؛ بناء شخصيّات غير قادرة على حمل لواء القيادة وتحمّل المسؤوليّة والخدمة المجتمعيّة، فانصراف هذه المؤسسات إلى تأدية دورها التدريسي والبحثي جعلها تهمل أهميّة دورها في خدمة المجتمع وبناء وتشكيل خريجين قادرين على الريادة المجتمعيّة وخدمة الإنسانيّة والمشاركة في عجلة التقدّم والنمو الحضاري والأممي.
فالجامعات في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة لا يمكنها من تأدية أدوارها المنوطة في التغيير المجتمعي دون أن تتبنّى استراتيجيّات تحقّق بها دور التفاعل الحقيقي بين الفرد ومجتمعه، وقد أكّد ذلك العديد من الباحثين والخبراء الذين وجدوا علاقة وطيدة بين التعليم الجامعي والتقدّم والريادة المجتمعيّة التي من شأنها أن توقد روح الابداع والابتكار وتغذّي وتوجّه المهارات المختلفة لدى الطلبة، الأمر الذي سيشكّل بالنتيجة مخرجات تعليميّة قادرة على التطوّر والنهوض والتفاعل مع المجتمع بالشكل المطلوب.
لقد قطعت الجامعات العالميّة أشواطا جيّدة نحو ترسيخ مفهوم المسؤوليّة المجتمعيّة الذي يعدّ بدوره أحد المفاهيم الثقافيّة الجديدة. إنّ الفهم الضيّق المتعارف عليه للمسؤوليّة المجتمعيّة التي تغرسها الجامعات ينحصر في تلك المناشط التي تقوم بتنظيمها الجامعة وتهدف بها إلى تقديم خدمات أو تبرّعات للمجتمع، وفي الحقيقة هذا المفهوم أعمّ وأشمل من ذلك بكثير، ويمكن حصر ذلك في التالي: أنّ المسؤوليّة الاجتماعيّة التي يجب أن تقدّمها الجامعات هي نوع من الالتزام التامّ بتحقيق أثر إيجابي في المجتمع، وبصيغة أخرى هي ترجمة واقعيّة لوظائف الجامعة التي يتم من خلالها تكييف أفرادها مع المتغيّرات السريعة في دنيا العلم والتكنولوجيا مع مراعاة احتياجات المجتمع التي تشمل ثلاثة مستويات، هي: (المستوى الاجتماعي- المستوى الثقافي- المستوى الاقتصادي).
يحتّم المستوى الاجتماعي على الجامعات، على سبيل المثال، أن تحترم قواعد القانون المختلفة، وأن تدعم المناشط المجتمعيّة والأندية الثقافيّة الترفيهيّة المختلفة، تحترم ثقافة الاختلاف والعادات والتقاليد المجتمعيّة، تنشر ثقافة المسؤوليّة المجتمعيّة لدى أفرادها، تقوم بتعزيز الديمقراطيّة لدى منتسبيها، وبشكل عام تقوم بتلبية ودعم احتياجات الوطن والمواطن من مختلف الجوانب المطلوبة. أمّا دورها في المستوى الثقافي فيكمن على سبيل المثال في إعداد البرامج التدريبيّة والتأهيليّة للفئات التي لم يحالفها الحظّ في دخول الجامعة، دعم وتأصيل الثقافة التاريخيّة الوطنيّة، تعزيز البحث العلمي، التأكيد على ثقافة الالتزام بالقوانين والأنظمة ونشرها في المجتمع. وفيما يخصّ دور الجامعات في المستوى الاقتصادي، فهو يتمثّل على سبيل المثال لا الحصر في التالي: تدشين تخصصات أكاديميّة جديدة تلبية للتطوّرات العلميّة واستجابة لاحتياجات المجتمع، دعم ورعاية كافّة المشاريع المجتمعيّة النهضويّة والإنتاجيّة، متابعة وضع خريجيها في المجتمع والسعي لإيصالهم بالوظائف المناسبة، تفعيل دور برامجها في استنهاض غاية التنمية المستدامة، دعم مناشط وقوانين حماية المستهلك.

خولة مرتضوي