كتاب وأراء

ابـحــث عن البترول..

ارتفعت في الآونة الأخيرة حدة التوتر في منطقة بحر الصين الجنوبي حيث يسود نزاع بشأن السيادة على الجزر فيه، إلى جانب مضيق ملقة وحرية الصيد، بين جمهورية الصين الشعبية وكل من فيتنام والفلبين وماليزيا واندونيسا وتايوان ولاوس وكمبوديا وتايلاند وبروناي وسنغافورة.
هذا النزاع صعد إلى السطح على إثر اكتشاف ثروة نفطية هائلة في الجزر المتنازع عليها تتجاوز حسب التقديرات الأولية أضعاف الثروة التي تحوز عليها دولة الكويت، ومثل هذا الاكتشاف زاد من الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر الواقعة على ممرات عالمية للتجارة الدولية، أبرزها ممر ملقة الذي يربط المحيط الهادئ بالمحيط الهندي ويمتد لمسافة 800 كلم بين جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الاندونيسية، وتعبر منه نحو 40 بالمائة من البضائع العالمية و50 بالمائة من تجارة النفط والغاز في العالم.
ومن المعروف أن الصين توصلت إلى عقد اتفاقية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) تقضي بإيجاد حل سلمي للنزاع عبر المفاوضات والتشاور وحماية السلم والاستقرار في بحر الصين الجنوبي بالتعاون والتنسيق بين الصين ودول سيان، واعتبرت هذه الاتفاقية هي السبيل الأنجع والأفضل لحل النزاع وهو ما يتفق مع القانون الدولي.
لكن ما هي الاسباب التي أدت إلى عدم التوصل إلى تسوية للنزاع وتوتير الأجواء في المنطقة؟.
في هذا السياق هناك أسباب مباشرة وغير مباشرة:
أما الاسباب المباشرة فهي اقدام حكومة الفلبين على رفع قضية النزاع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي للتحكيم مما يتعارض مع الاتفاقية المعقودة بين الصين ودول آسيان بما يلبي مصالح جميع الدول المعنية ويحقق التنمية والتعاون والاستقرار في المنطقة.
ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية التي تربطها بالفلبين اتفاقيات اقتصادية وعسكرية، وتقيم على أراضيها قواعد ومنشآت عسكرية هي التي تقف وراء خطوة الفلبيبن المذكورة.
أما الاسباب غير المباشرة فتكمن في سعي أميركا في سياق الاستراتيجية التي وضعتها إلى فرض هيمنتها الاستعمارية على هذه المنطقة الحيوية من العالم والتحكم بممراتها البحرية واستغلال ثرواتها الهامة والعمل على عزل الصين وإضعاف دورها وحضورها المتنامي اقتصادياً وسياسياً في هذه المنطقة على حساب النفوذ الأميركي، وهو ما تجلى أخيراً في إنشاء الصين بنكاً آسيوياً للاستثمار في البنية التحتية انضمت إليه عشرات الدول في المنطقة والعالم، مما يشكل كسراً لاحتكار الولايات المتحدة للقرار المالي والاقتصادي العالمي عبر تحكمها بالمؤسسات المالية العالمية، التي أنشئت على أسس تكرس هيمنة أميركا ووسيلة لاخضاع الدول وسلبها استقلالها الاقتصادي والسياسي على الدول، وهذه الاستراتيجية الأميركية لفرض هيمنتها في المنطقة ومحاولة تطويق وعزل الصين ارتكزت إلى سلسلة خطوات أمنية وعسكرية وسياسية أبرزها:
أولاً: حشد قوات برية وبحرية وجوية تمثلت في إقامة القواعد الجوية والقواعد العسكرية في دول مرتبطة بتحالفات عسكرية مع واشنطن مثل الفلبين واليابان واستراليا وتايوان، وكذلك نشر السفن الحربية في المنطقة وأنظمة صواريخ اعتراضية، وصواريخ نووية هجومية وإجراء المناورات في المحيط الهادي.
ثانياً: تحليق الطائرات الأميركية فوق الجزر المتنازع عليها، والتي ليس لأميركا حدود لها ولا أرض أو مياه فيها مما اعتبرته الصين أعمالاً استفزازية وتدخلاً سافراً في شؤون المنطقة.
ثالثاً: استغلال الخلاف بين الدول المعنية في بحر الصين الجنوبي لأجل إذكاء الصراع وتحريض دول المنطقة ضد الصين.
وفي هذا السياق يمكن إدراج زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى فيتنام ورفع حظر بيع الأسلحة الأميركية عنها، بعد عقود من الحصار على إثر الهزيمة الأميركية المذلة على أيدي المقاتلين الفيتكونغ، وكذلك اقدام الفلبين على طلب التحكيم الدولي بتحريض من أميركا.
طبعاً هذه الاسترتيجية الاميركية في التدخل في المنطقة هي التي تسبب التوتر وتأزم الوضع وتعوق حل النزاع بين دول المنطقة بطريقة سلمية وتؤدي إلى حفظ حقوق الجميع، وذهاب الفلبين إلى محكمة العدل الدولية بشكل منفرد ومن جانب واحد، لا يؤدي إلى حل المشكلة بل إلى تصعيد التوتر، وهذا ما تريده أميركا التي تدرك جيداً أن الصين لن تقبل بمثل هذا التحكيم لكونه يتناقض مع حل النزاع وفق الاتفاقية مع دول آسيان بطريقة حبية، وكذلك الاتفاقية الثنائية بين الصين والفلبين المرتكزة إلى قانون البحار لحل النزاع والتي لا تسمح لطرف ثالث بالتدخل أو طرح آلية تسوية للنزاع من دون موافقة جميع الأطراف الموقعة على اتفاقية آسيان.
انطلاقاً مما تقدم يبدو من الواضح أن حل هذا النزاع يحتاج إلى اتفاق وتفاهم بين جميع الدول المعنية بعيداً عن تدخلات الولايات المتحدة الأميركية التي تقف من خلال تحالفاتها مع بعض الدول وراء اعاقة الحل السلمي والتشاركي الذي يسمح بالبدء في استفادة جميع الدول من الثروة النفطية والغازية والسمكية في الجزر واستطراداً إقامة المشاريع التي تعزز التعاون والتنمية في المنطقة.
ومثل هذه التسوية التشاركية لا يمكن أن تتم في أجواء التوتر إنما تتطلب انفتاحاً واستعداداً من الجميع للتعاون والحوار، غير أن الأمر سيبقى رهناً باستعداد بعض الدول مثل الفلبين بالتحرر من تأثير التدخل الاميركي.
لكن حتى ولو لم يتم ذلك واستمر النزاع والتوتر في المنطقة بفعل الاستفزازات والتدخلات الأميركية فان ذلك لن يؤدي إلاّ إلى نتيجتين:
النتيجة الأولى:عدم تحقيق التسوية المنصفة والعادلة لجميع الدول المعنية بالنزاع على الجزر وبالتالي عدم استفادة هذه الدول واقتصاداتها من الثروات الهامة الكامنة في الجزر والتي تحتاج إليها هذه الدول لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحويل بحر الصين الجنوبي إلى منطقة أمن واستقرار وتعاون.
النتيجة الثانية: إن استمرار النزاع والتوتر لن يقود إلى حرب بين أميركا والصين، بفعل التداخل الاقتصادي بين البلدين من ناحية وامتلاكهما لأسلحة نووية مدمرة.
فهل تدرك دول المنطقة مصلحتها وتقطع الطريق على استمرار هذا النزاع والتوتر الذي لا يخدم أي منها سوى المصلحة الاستعمارية الأميركية.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي