كتاب وأراء

نحن عالة عـليهم.. ونــشــتــمــهــم

نــزار عــابــديــن
كاتب سوري
أحاول كثيراً الابتعاد عن السياسة اليومية، ولذلك أتحدث عن المخترعات التي قدمها «الكفـّار» للبشرية، ومع ذلك تأخرنا كثيراً عن الاستفادة بها. صحيح أننا كنا ذات يوم أسياد الحضارة، وأننا قدمنا للعالم الكثير، ويكفي أن أذكر الخوارزمي واختراع الصفر (0) والخوارزميات أساسية في علوم الكمبيوتر، ولكننا نمنا قروناً
أذكر أننا كنا في كل بيت نحتفظ بخزانة اسمها «النملية» وواجهتها وجانباها أطـُرٌ لنسيج من الشبك المعدني، والهدف منها كما هو واضح من اسمها إبعاد الحشرات عن الأطعمة، أما حفظ الطعام يومين أو أكثر فأمر لم نكن نجرؤ على أن نحلم به، قبل ذلك الوقت بكثير اخترع رجل فرنسي اسمه «فرديناند كاريه» جهازاً سميناه «البرّاد» ويسميه المصريون «التلّاجة» وكان هذا عام 1859، كم يبدو هذا التاريخ بعيداً، وأتمنى أن أقرأ لمؤرخين عرب تاريخاً لطيفاً يبين زمن معرفتنا بكل آلة من هذه الآلات.
عندما مات المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم تذكر الناس من ضمن ما تذكروا أنه كان في بداياته يعمل في كي الملابس وفي قطر والخليج يسمونه «دوبي» وهي تسمية هندية، أما العرب قديماً فلم يكونوا يعرفون شيئاً عن كيّ الملابس لتمليسها، وكل ما كانوا يعرفونه هو كيّ الأجسام، ومن هنا المثل «آخر الطبّ الكيّ» وقالوا إن شعبان كان يستخدم أداة كي الرِجل (لا أعرف كيف تعمل) أما ما نعرفه فهو أداة الكي التي تعمل بـ«الفحم» أو الجمر، وهي صندوق معدني يوضع الجمر في داخله، ثم عرفنا الأداة التي توضع فوق موقد «الكيروسين» ولا أدري بالضبط متى عرفنا أداة الكي الكهربائية، التي عرفها العالم عام 1882 واخترعها العالم الأميركي هنري دبليو سيلي Henry W. Seely بوضع ملف حراري Element لتسخين القطعة المعدنية عند وصلها بالطاقة الكهربائية، وكانت حينها تسمى electric flatiron ولم تكن هذه الطريقة طريقة آمنة حتى جاءت أداة الكي العادية التي تستخدم سخاناً داخلياً، وفي سنة 1950 ظهرت لأول مرة أداة الكي التي تعمل بالبخار، ربما كنا في تلك الأيام ما زلنا نملـّس سراويلنا «البنطال» بوضعه تحت الفراش.
هل تذكرون ريشة الكتابة والمحبرة؟ ربما لا يعرفها كثيرون إلا من خلال التليفزيون والسينما واحتاج العالم إلى قرون ليخترع له لويس أديسون وترمان عام 1884 قلم الحبر السائل الذي يتميز بخزان يُملأ بطرق مختلفة، ويكتب الكاتب ما دام الحبر متوفراً في الخزان. ولم يتأخر الأمر كثيراً حتى جاء الصحفي «لاديسلاو جوزيف بيرو» باختراع قلم الحبر الجاف الذي سيطر على عالم الكتابة، حتى أزاح الكمبيوتر القلمين معاً، ولم يعد قلم الحبر يستخدم إلا للتوقيع.

نزار عابدين