كتاب وأراء

كيف تعرف الصديق الصح؟

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
قد تقابل في الحياة من يستميت في التقرب منك، لكنك تكون موقنا أنه تواصل مُغرض لا يبتغي تعارفا إنسانيا، فقد يتقرب طالب من زميله لفك شفرة تفوقه ومعرفة كيف وكم من الوقت يدرس، وهي أشياء تنأى كل البعد عن الرغبة في تقارب إنساني ينتج عنه اهتمام بشخص صديقه أو هواياته، فلن يعنيه معرفة أي فريق كرة يشجع، أو أي مسلسل يتابع؟
أما الصديق الحق فسيكون حريصا على معرفة إن كنت تفضل الكرز أم التوت؟ باتشينو أم دينيرو؟ موتزارت أم فيفالدي؟ نزار أم درويش؟ بازلاء أم قرنبيط على العشاء؟
الصديق قد يخطئ في اسم أخيه وإن استوحشك يتمنى رؤيتك ولو في المنام، وتمتعض جبهته إن سخر منك زميل.
إن الصداقة من العلاقات الاجتماعية النادرة التي تتيح لنا حرية اختيار بعض من محيطنا، والصديق الحق لا يلهيه التكاثر بل يكتفي بأقل القليل من البشر حوله. لذا حري بالإنسان التأني لاستبصار المواقف حتى يطمئن قلبه قبل قرار نقل العلاقة من الزمالة للصداقة. أما الشخص الأهوج، فمجرد حديث عابر سيجعله أسير جميل العمر لأن فلانا سأل عنه، ولو كان سؤاله هذا حاملا في التاسع بجنين يدعى المصلحة.
من يبحث عن صداقة حقة يقدر المشاعر، لكن لا يبالغ فيها كونه يلتزم بتبعاتها التي قد تودي بالوقت وتتآكل بها الحياة وقد تورد لمهالك مرهقة. فالصداقة تجعله ينغمس في علاقة تستتبع التزامات، لذا لا يسمح بالقفز إلى التآخي المباشر كما لا يبالغ في الإيهام بحمل مشاعر ود إن لم تترجم لأفعال. فيما تتسم العلاقات العابرة بأشخاص يلوحون براية التقدير أو سوط التحقير.
وأحسب أن أي علاقة إنسانية تقام في ظل تلك المشروطية لهي مرهقة وإن عنونت صداقة.
فالصديق المحب لا يستخدم الاستهزاء تحت بند المزاح وليس كثير الاستجواب كي لا يدفع صديقه لتقديم تبريرات أو كشف حساب.
-الصديق يبحث عن إنسان يخلي بين الدنيا وبينه، ينأي عن الكون للقرب منك أو لاحتلالك كصفي.
-يكون خاطرك عنوانه ما يجعل البعد عنك احتمالا غير مطروح.
-إنسان يطوع المشاكل في صورة عناق مجدول باهتمام مرتب لا مشاعر ملفقة بمفردات رتيبة.
-فرد يستشعر خطرا قد يصيبك قبل وقوعه.
-يُقَيم ذكرياتك معه كشرخ قديم في الهرم.
-إنسان يجادلك في الأرقام المسطرة بباطن كفك ويسعد بتشابهها بأرقام كفه كإشارة ولو تافه لمصير مشترك.
أما من يتواصلون بطريقة أخرى، فيقتربون قبل أن توشك الشعرة أن تنقطع، ثم يهملون الشعرة والعلاقة حين يصلهم وصالك فليسوا بأصدقاء. إنهم يمولون العلاقات الاجتماعية بوقود رخيص، بخس، ثم يتوقعون أن تمشي العلاقة للأبد.
وأكبر سبب يوقع الناس في فخ الصداقات الزائفة هو معاناة البعض من مجاعة عاطفية ومسغبة للتقدير، ما يجعلهم في شراهة لأي علاقة إنسانية دون التأني أو احترام المسافات لضمان حسن اختيارهم للصديق الذي هو الشقيق الروحي الاختياري.
وتوهم تلك المجاعة للتقدير المرء بأنه لو زرع علاقة زمالة ببذور زائفة سيحصل على محصول صداقة وفير فيستهلك مواسم حياته هباء.
إن الصداقة لهي عقد وجداني بين طرفين، مهره مُكْلِف، ومؤخره باهظ، تدفعه من حر أحزانك وأرصدة ذاكرتك أو عجزك عن سداد كمبيالات النسيان، عدا ما ستتكبده من حسرات لعدم التفاتك للمؤشرات حال سوء اختيارك.
ابحث عن صديق يحبك رغم عيوبك، يكترث إليك رغم خراقتك، لا شخص يصاحبك كونك نادر العيوب أو أيقونة التفوق.
ابحث عمن لو أشعلت أمامه دخينة، يرمقك بقلق في عينيه وإن لم يمنعك.
ابحث عن إنسان يكترث لصباحاتك المشرقة، لكنه أكثر اكتراثاً لغروبك المعتم.
ولا تبالغ في ادعاء مشاعر لم تلمسها، فمشاعرنا رقيقة كالشعرة، حادة كخنجر ووجداننا هذا مستودع أسلحة قد يدمرنا إن تلاعبنا به وأشهرناه لشخص ذي قناع مموه نحسبه صفيا بأقواله، لكن أفعاله تصدم أنقى عواطفنا.

داليا الحديدي