كتاب وأراء

دعهم فقراء ولا تخبرهم بما تعلمه

حمد التميمي
تشير الإحصائيات إلى أن واحداً في المائة من سكان العالم يملكون 50 في المائة من ثرواته، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، إنما في غياب العدالة في توزيع الثروات وعدم الإقرار بوجود علاقة بين الفقر والظلم.
عدم تكافؤ الفرص
إن عدم تكافؤ الفرص المتاحة للأفراد دون تمييز على أساس الخلفية الاجتماعية أو الثقافية يعزز من مفهوم عدم المساواة، ولحل هذه المعضلة يجب توزيع فرص العمل والاستحقاقات والمكافآت والمزايا بإنصاف بين جميع أفراد المجتمع، وفرض تشريعات مناسبة لتخفيف وطأة الفقر والمعاناة، وتقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء من خلال تعليم الطفل منذ الصغر كيفية جني المال بشكل عملي بدلاً من الدراسة النظرية التي لا تمت لسوق العمل بصلة، ولا تفيد الطالب بعد تخرجه أغلب الأحيان في الحصول على وظيفة مناسبة أو بدء عمله الخاص.
الخداع
مانزال نطالب الأطفال بالذهاب إلى المدرسة، والعمل بجد وتوفير المال، ونعلمهم بأن الادخار يجعلهم أغنياء، إلى جانب خداع الطبقة الوسطى والفقراء الذين يعملون دون التفكير للحظة بترك وظائفهم التي تعد مصدر رزقهم الوحيد، ويخافون من خسارتها، فيشقون ليل نهار للحصول على دخل بالكاد يسد رمقهم، بينما ينعم أصحاب العمل بنصيب الأسد وبقدر كبير من المال على حساب جهد وتعب الآخرين، ويوظفون رؤوس أموالهم في العديد من الاستثمارات المربحة التي تجعلهم أسياد أعمالهم على عكس الناس البسطاء الذين لا يستطيعون الاختيار، فهم مضطرون للعمل عند الآخرين بأجر زهيد.
لا تعلمهم فن الصيد
صدق من قال: «لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطاد»، لكن هذه المقولة لا تنطبق على رجال الأعمال وأصحاب النفوذ الذين يرفضون نقل معرفتهم وخبراتهم وأسرار نجاحهم إلى الناس عن قصد وغاية، وذلك بهدف إحكام سيطرتهم على الفقير وتسخيره للعمل لديهم بأقل أجر ممكن، فلا يحصل إلا على الفتات.
ترسيخ مفهوم القناعة كنز لا يفنى
يبدو أن المجتمعات بأسرها تحاول ترسيخ مفهوم القناعة كنز لا يفنى، وتشعر وكأن الأغنياء وأصحاب الأعمال هم أكثر من يحاولون إقحام هذا المصطلح في عقول الفقراء والعاملين لديهم حتى يقتنع المرء بحاله ولا يسعى للأفضل فيطالب براتب أعلى أو وضع معيشي أفضل أو يبحث عن عمل آخر أو حتى يؤسس مشروعه الخاص ويهجر عالم الوظيفة، في حين أن الأغنياء عموماً يمتازون بعدم القناعة والتي يظن معظمنا أنه خصلة سيئة توحي بأن الشخص لا يقدر النعم، لكن هذا مجرد فهم خاطئ لمفهوم عدم القناعة أو عدم الرضا، الذي يعني أنك مهما حققت في حياتك فأنت تطمح إلى المزيد، لا لأنك جشع أو لا ترضى بشيء ولا تقنع بحال، بل لأنك شخص طموح تريد دائماً أن تتفوق على ذاتك وتدفع نفسك إلى الخطوة التالية وتحقق المزيد من الإنجازات.
التوزيع العادل للثروات
تشير بعض الدراسات المختصة بتوزيع الثروات إلى أن معدلات نمو الثروة تصل إلى أعلى مستوى لها في البلدان التي تعد أكثر عدلاً وإنصافاً من غيرها.
لكن متى سمعنا عن أن الأغنياء يريدون أن يتقاسموا الثروة مع الطبقات الأقل ثراء أو الفقراء؟ إن الواقع يشير إلى أن أغلب الأغنياء لا يريدون تعليم الفقراء أي شيء، وبالتالي فهم يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقراً، ذلك أن كثيراً من الأغنياء يستغلون الأزمات مثل الأزمة الحالية، ويستفيدون من أي ظاهرة جديدة تدر عليهم المزيد من الأموال، وبالتالي لا يتوانون عن استغلال حاجة الآخرين إلى عمل أو منتج أو سلعة، فكيف لمن على شاكلتهم أن يعلم الفقراء شيئاً؟!
وأخيراً لا بد أن نتساءل: هل الفقر اختيار شخصي؟ وهل يستطيع الفقير الخروج من دائرة الفقر متى أراد ذلك؟
يأتي الجواب في سيرة حياة بعض الأغنياء من ذوي الأيادي البيضاء الذين كانوا يوماً ما من الفقراء، لكنهم استطاعوا بإرادتهم الصلبة وإصرارهم ومثابرتهم أن يصبحوا من أغنى الأغنياء، فلا تدع أحداً يثبط عزيمتك، أو يقنعك بأن العمل الحر مخاطرة وأن الوظيفة على الدوام هي الحل الأكيد والضمان لحياة لا تشوبها شائبة، وقرر منذ اللحظة أن تكون واحداً من الأغنياء في المستقبل، ولا تبخل على الآخرين حينها ببعض النصائح من واقع تجربتك العملية.

حمد حسن التميمي