كتاب وأراء

هل خسرت الكويت بغياب المرأة البرلمانية؟

مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل
مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
لعل أول ما يتناهى له التفكير في قضية غياب المرأة الكويتية عن مجلس الأمة في الانتخابات الأخيرة، وهو ما وجدتُ صداهُ في حوارات تويتر، سقوط نموذج عنصري فج، اشتهر خطابه المريض في فترات المجلس السابق.
وهذا ظلمٌ كبير بل قاعدة معطوبة من الأصل، فكم من أعضاء البرلمان من الرجال كانت لهم سيرٌ سيئة سلوكياً، أو أداء أو شراكة في الفساد، كقاعدة عامة ليست مرتبطة فقط بالكويت، فلماذا لا يُقال إذن تجربة الرجال أو حتى هذه المجموعة من أولئك الرجال سيّئة؟
إن لدينا تسطيحا موغلا في الجهل خلال التعاطي مع قضايا المرأة، وحقوق شراكتها في الوطن العربي، ودورها المحوري في التواجد الطبيعي، ليس كنموذج تقليد ولا استنساخ للرحلة الغربية، وإن وجدت في الغرب نماذج ممتازة للمشاركة، لكنّ انعطاف الغرب نحو المادية والجندر الصراعي، لا الحقوقي النسائي والتكافلي مع الرجل، عطّل تجربته في ظل هيمنة الرأسمالية، التي تحتفل اليوم بغياب الكفاح اليساري الحقيقي عن منظومتها، واستبداله بفكرة استئصال الحياة الأسرية عبر المثلية القهرية.
لكن هذا ليس نموذجاً تقاس به كل التجربة الغربية، فجاسيندا ارديرن الزوجة، والأم المرضعة في البرلمان النيوزلندي، التي تصدرت في أدائها النيابي عن الشعب، ثم تصدرت في إدارة الدولة والحكومة، ثم تصدرت غربياً في الاحتواء والتضامن مع مواطنيها المسلمين، بعد المجزرة الإرهابية في مسجدي نيوزلندا، ثم تصدرت في مواجهة جائحة كورونا امرأة عصامية ملهمة، تُرفع لها القبعات.
وحين تودع برلين أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، فنحن أمام شخصية قوية الأداء والحضور الأوروبي، والتوازن الدبلوماسي والاستقرار العائلي الاجتماعي، وتُعتبر في تقديري من أفضل الشخصيات السياسية التي تعاملت أوروبياً مع الوطن العربي، ومثّل مشروعها لاحتضان اللاجئين السوريين، نموذجاً حقوقيا إنسانياً يُشاد به.
هل ذلك يعني أن ألمانيا في عهد ميركل، خارج لعبة الأمم الغربية في حصار الشرق، كلا..
فتبقى السياسات القومية الغربية حاكماً على الأداء العام، كما هو الموقف السياسي الاستراتيجي من رفض الغرب أي ندية ديمقراطية نهضوية للشرق، تؤثر على تدفق مصالحه، غير أنها امرأة قوية ناجحة، ذات دبلوماسية مرنة، واجهت عنفوان الرجل المتطرف ترامب، وأشرقت في مقابل الرجل العنصري التافه ماكرون.
ورغم أن موقع الرئاسة شرفي في سنغافورة، إلا أن المرأة المسلمة حليمة يعقوب زوجة الحضرمي اليمني المهاجر، الذي جمع بينهما بيت الحب والمواطنة السنغافورية، كانت تقدم دروساً في مفاهيم الضمير الأخلاقي في إدارة الدولة، ورعاية التعايش من خلال خُطبها.
ومن خلال قيامها بمسؤوليتها السياسية قبل تولي الرئاسة وبعدها، والنماذج كثيرة أبرزها من قادت الكفاح لعودة الديمقراطية في ماليزيا السيدة وان عزيزة، بل إني أحسبُ أن سقوط الرجل في مجالس الشعوب العربية، مشهودٌ بكثافة أكثرَ من سقوط المرأة، سياسياً وأخلاقياً فيما يتعلق بمفاهيم الشفافية والولاء لحقوق الشعب.
وخلال رحلتي مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تبين لي غرابة الموقف الذي يُبرر لعزل المرأة عن العمل العام، فقد كان حضورها طاغيا في كل منعطفات النبوة، وبالتالي يسقط مبرر خطيئة ذلك الحصار لمشاركة المرأة، وهي مشاركة لا تمنع الحرص على الفضيلة والسمو الأخلاقي، من خلال ترتيب الأولويات واحترام حياة الأفراد الشخصية، واحترامهم لحق المجتمع.
والعبرة بعد ذلك بالأداء، فاليوم لم يعد هناك حجة بعد تجارب المشاركات النسائية، وأن أي قدرٍ يتحصل من تجاوز هنا وهناك، ليس مرده لمشاركة سياسية أو حضور في المجتمع، ولكن لأزمة الأخلاق والتشريع في الدول العربية، التي تهيمن عليها أولويات الاستبداد، فينتشر التحرش بعد تعزز الانحطاط الأخلاقي، لضعف التربية السلوكية، ومن خلال الفساد القانوني والسياسي الذي مكن له المستبد.
في حين أن المؤسسة التشريعية القوية، والتفاهم الوطني الاجتماعي، سينجحان في تأسيس بنية تعتمد القيم الأخلاقية في السلوك، كمضبطة ذات مرونة تحتوي توجهات الأفراد، لكن في ظل احتشام عام، وفي ذات الوقت تتواصل مساحات التشريع الحقوقي للقوانين، التي تجمع للمرأة فرص المشاركة والأمن الاجتماعي، الذي أضحى اليوم عربياً، مهددا من تغول وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة.
{ وللحديث بقية

مهنا الحبيل