كتاب وأراء

الأسباب والتداعيات..«الطلاق البريطاني».. وتوسيع الخيال

لن تهدأ توابع الزلزال الذي أحدثه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لثلاثة أعوام قادمة على الأقل. خلالها تجرى مياه كثيرة تحت الجسر من شأنها أن تترك الخيال واسعا لاحتمالات عديدة، ولكن الغالب فيها هو الشعور القوي بعدم اليقين من المستقبل. تأثير الارتباك لن يقف عند دول الاتحاد ولا عند بريطانيا وحدها بل يمتد إلى العالم كله بدرجات مختلفة بحكم الثقل الدولي لكل منهما. وفي حالات عدم اليقين والارتباك تصبح السياسات الانعزالية هي خيار الحد الأدنى للإنقاذ، وتصبح القوى اليمينية هي صاحبة الكلمة الأولى.
القضية قديمة وكان الموقف يراوح مكانه ما بين البقاء والخروج منذ سنوات طويلة. فالمعروف أن بريطانيا لم تتحمس لدخول الاتحاد منذ أن تأسست اللبنة الأولى عام 1957 لإقامة تكتل اقتصادي أوروبي أو سوق أوروبية مشتركة. أحجمت عن الموافقة ولكنها وافقت بعد 16 عاما! واحتفظت لنفسها بعملتها الاسترليني ولم تقبل اليورو (العملة الموحدة للاتحاد). ولم يكن الاستفتاء الأخير هو الأول من نوعه بل هو الثاني في علاقة بريطانيا بالقضية، حيث جرى الاستفتاء الأول عام 1975 ولكن النتيجة جاءت لصالح البقاء بنسبة 67%.
المحللون الغربيون طرحوا تفسيرات مختلفة. البعض الأول ركز على مساوئ العولمة من منطلق أنها قيدت كثيرا من حرية القرار الاقتصادي البريطاني أو قدرة بريطانيا على تطويع السوق الأوروبي لما يحقق مصالح أكبر لها، ومن ناحية أخرى أطاحت بقطاع عريض من العمالة البريطانية ممن لم تستطع أن توفر لنفسها مستوى تعليميا عاليا. والبعض الثاني ركز على الهجرة أو الوافدين الأجانب (من بقية دول الاتحاد). وتتنوع المشاكل التي سببتها الهجرة ما بين ارتفاع أسعار المساكن والاستفادة من الرعاية الاجتماعية بما يعنى أن دافع الضرائب البريطاني ينفق على الأجانب وليس على أبناء بلده، هذا فضلا عن منافسة العمالة الوافدة للعمالة البريطانية نظرا لانخفاض تكلفتها. والبعض الثالث ركز على اللاجئين، فبالرغم من أن بريطانيا قررت قبول عدد لا يتعدى بضعة آلاف بما يعني أن المسألة غير مؤثرة، إلا أن البريطانيين رأوا أن أوروبا تعاملت بارتباك مع هذه المسألة مما ولد لديهم شعور بالقلق. وأخيرا ركز البعض الرابع على مسألة الهوية، وهي وإن كانت لها جذورها القديمة حيث الاعتزاز الشديد لدى البريطانيين بانتمائهم لتاريخهم وتقاليدهم العريقة وصل عدد كبير من البريطانيين إلى الاعتقاد القوي بأن قرارهم الوطني لم يعد في أيديهم بل تفرض القرارات عليهم من الاتحاد، وتلك مسألة تتعلق بالحرية السياسية في بلد يعتبر نفسه مصدر الحياة الديمقراطية والنيابية في العالم.
ورغم ما تحمله التفسيرات السابقة من وجاهة إلا أنها لا تقدم تفسيرا شافيا للتحول الذي طرأ على المشهد البريطاني لسبب بسيط هو أن هناك من البريطانيين من لم يتأثر موقفه بأي من الأسباب السابقة وهم الذين كانوا في صف البقاء (48%) وكانوا يتوقعون أن تأتي نتيجة الاستفتاء لصالحهم. هؤلاء لم يتضرروا من العولمة ولا من الهجرة ولا من اللاجئين ولم يشعروا بقلق على الهوية. هنا وقع الانقسام الحاد بين البريطانيين وتحول إلى معركة حقيقية تسقط أمامها أية حجج تتعلق بالوطنية والهوية وتنتصر فيها المصلحة الضيقة أو الفئوية.
إنها حالة من عدم اليقين من المستقبل سكنت قلوب وعقول البريطانيين وجعلتهم وكأنهم يفتقدون البوصلة الصحيحة التي تحقق مصالحهم الوطنية جميعا دون التضحية بالاتحاد الأوروبي. ومن المؤكد أن كلا من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا قادران على احتواء الأزمة لأنها كانت معلومة لديه ولو على سبيل الاحتمال، ولكن بالمقابل هناك مرحلة زمنية ما بين سنتين وثلاث تتسم فيها العلاقة بالاضطراب وفي أخف الضرر بالغموض. هذا الوضع يخلق فراغا دوليا يعمق من الاضطراب الذي يمر به النظام الدولي المعاصر، وعلى المستوى المحلى يعزز فرص اليمين المتشدد بدعوى الصالح الوطني!.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد