كتاب وأراء

لا تفكر خارج الصندوق

حمد التميمي
من بين العبارات الأكثر شيوعاً في عالم الأعمال «التفكير خارج الصندوق»، حيث يبدو أن الجميع مهووسون بالتفكير خارج الصندوق. ويقصد بهذه العبارة معالجة المشاكل بطرق جديدة ومبتكرة.
لكن رغم الصيت الذي حصل عليه مصطلح «التفكير خارج الصندوق» في السنوات الأخيرة، إلا أنه ينطوي أحياناً على سلبيات، إذ يمكن أن يكون مضيعة للوقت والموارد. كما أن عبارة «فكر خارج الصندوق» في الأساس محيرة وغامضة، فما هو «الصندوق» بالضبط؟ أحياناً يتم طرح هذه العبارة للإشارة إلى أن منتجنا أو خدمتنا أو حلنا النهائي يجب أن يكون مختلفاً عما هو موجود بالفعل.
وهذه ليست نصيحة سيئة بالضرورة، لكنها غير قابلة للتنفيذ دائماً،فالعبارة ليست واضحة في إخبارنا عما يجب القيام به. في أغلب الأحيان، يتم تقديم هذه النصيحة عندما يتعثر الفريق في التفكير في الجوانب العملية للمشكلة، حيث يحاول الشخص الذي يطلب من الفريق «التفكير خارج الصندوق» أن يجعل الفريق يتوقف عن التفكير في القيود العملية أو حدود المشكلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: عندما نحاول التوصل إلى حل مبتكر، هل من الأفضل التفكير في حدود المشكلة أم علينا فقط تجاهلها و«التفكير بحرية»؟!
يعتقد الناس أن الإبداع يتعلق «بالتفكير خارج الصندوق»، حيث يرغب مدراء الشركات على سبيل المثال في توظيف الأشخاص الذين يعتمدون هذه المنهجية في التفكير لاعتقادهم أنهم سيكونون قادرين على ابتداع أفكار وحلول مبتكرة من شأنها أن تجعل الحل الفعال للمشكلات والابتكار الخارق يحدث على أساس يومي.
وما لا يعرفه الكثيرون هو أن محاولة التفكير خارج الصندوق بشكل دائم لها سلبيات منها تجاهل المشكلة الأساسية والبحث عن حلول بديلة، عوضاً عن اتباع حل عملي للوضع القائم، فبدلاً من أن تعالج المشكلة التي بين يديك تحاول الالتفاف حولها بحجة ابتكار حل خارج الصندوق، بينما يتطلب الأمر منك مواجهة الأمر الواقع وتحديد الخيارات المتاحة، ثم انتقاء الخيار الأنسب.
على سبيل المثال: ربما أنت مقبل على فحوصات آخر السنة، وكلما حاولت أن تدرس يتشتت تركيزك، فتبدأ في محاولة التفكير خارج الصندوق علك تجد حلولاً مبتكرة لمشكلتك وهي قلة التركيز وعدم القدرة على الدراسة لساعات طويلة، كأن تقرر أن تدرس على سبيل المثال لساعة ثم تشاهد التلفاز لساعة أخرى، أو تقرر أنك إذا أنهيت بضع صفحات من إحدى المقررات فستخرج في نزهة مع صديق لك، ثم تعود إلى المنزل لاستكمال الدراسة، فتكون النتيجة في أغلب الأوقات هو إنهاؤك للساعة الأولى من الدراسة ثم قضاؤك ساعات وأنت تشاهد التلفاز دون أن تستطيع العودة للدراسة مجدداً، أو إضاعتك لساعات طويلة مع صديقك وعودتك متعباً إلى المنزل، وبالتالي عدم قدرتك على استكمال دراستك.
وربما تبتكر حلولاً أخرى لكنك في النهاية تحصد النتيجة نفسها لأنك تحاول إيجاد حل لحالة الملل التي تنتابك أثناء الدراسة، راجياً أن تعثر على حل يجعلك تدرس وأنت مستمتع، في حين أنك لو فكرت داخل الصندوق أي في المشكلة القائمة ببساطة شديدة: إذا أردتُ أن أنجح يجبُ أن أدرس، ولكنني أعاني من الملل أثناء الدراسة، فما الحل؟ الحل ببساطة أن أجبر نفسي على الدراسة سواء أحببت ذلك أم لا، وسواء استمتعت بعملية الدراسة أم لم أستمتع.
كذلك الحال في المؤسسات عندما يحاول بعض الأفراد ابتكار حلول جانبية لا علاقة لها بالمشكلة الرئيسية بدلاً من مواجهة الأمر الواقع وتدارك الأخطاء والعمل على تصحيحها. إن محاولاتنا المستميتة للتفكير خارج الصندوق كلما اعترضتنا مشكلة يمكن أن تجعلنا نتهرب من المشاكل التي تواجهنا عوضاً عن مواجهتها وتقبل الأمر الواقع والحل الوحيد الذي أمامنا، كأن تدرس كي تنجح سواء رغبت بذلك أم لم ترغب، بدلاً من محاولة ابتكار أساليب تجعلك تحب الدراسة لكنها تجعلك في النهاية أكثر تشتّتاً. أحياناً كل ما يلزمنا هو حل بسيط لحل مشكلة قائمة، حل داخل الصندوق وليس خارجه، لأن الالتفاف حول بعض المشاكل بحجة التفكير خارج الصندوق قد يكون مدمراً، في الوقت الذي يكمن الحل أمامنا مباشرة ولا يحتاج إلى أي تفكير إبداعي.
Instagram: hamadaltamimiii

حمد حسن التميمي