كتاب وأراء

تــلك الــرســـالـــة الحــزينــة

رشا عمران
كاتبة سورية
قرأت قبل أيام رسالة حزينة كتبها أحد أعضاء اللجنة الدستورية السورية من المستقلين، بعد جولة أخيرة فاشلة من جولات المفاوضات الدستورية في جنيف، وألقاها في نهاية الجلسة. الرسالة، التي تتحدث بلسان كل سوري يؤمن أنه على السوريين فقط الوصول إلى حل نهائي، تكاد تنعى العملية الدستورية بعد خمسة اجتماعات، وأكثر من سنة ونصف السنة من المفاوضات التي لم تؤت بأية نتيجة، والتي يتضح، حتى على لسان المسؤولين الأمميين، أن وفد نظام الأسد يعيق أي تقدم فيها، ويضع العصا في عجلاتها، في محاولة لتمرير الوقت حتى يحين موعد مهزلة ما يسمى الانتخابات الرئاسية في سوريا منتصف هذا العام، والتي بدأ التحضير لها منذ الآن، عبر تأهيل مرشحين منافسين، على غرار الدورة السابقة، من قبل الأجهزة الأمنية الحاكمة الفعلية في الشأن السوري الداخلي.
وأنا أقرأ الكلمات التي ألقاها العضو المستقل شعرت أنني أصبحت، كملايين غيري، بلا وطن فعلا، وأن السوريين، الذين يعيشون في العالم العربي وفي المخيمات وفي الداخل السوري من غير المقربين من النظام، لم يعد لديهم أحد، أصبحوا في اللامكان، فنحن مازلنا نحمل باسبورات سورية، نضطر إلى تجديدها كل عامين مرة مقابل مبلغ باهظ جدا، ونحن ممنوع علينا العودة إلى وطننا، تحت طائلة الاعتقال أو الموت، ونحن مهددون في أمكنة وجودنا دائما بإلغاء الإقامات أو الطرد، وما من مكان يستقبلنا، أما سوريو الداخل فهم مضطرون للاستمرار هناك رغم الانهيار في أساسيات الحياة وانعدام وجودها، ورغم القهر والذل اليومي الذي بدأ يطفح في كتابات حتى من كانوا حتى الأمس القريب من اشد المدافعين عن النظام السوري.
فكرت وأنا أقرأ تلك الرسالة، هل يمكن لشعب ما أن يحصل به ما حصل من الانقسام السوري، إلى حد أن المؤيدين للنظام يمكنهم فعلا الإحساس أن سوريا لهم هم فقط دون غيرهم؟ ومن حقهم ترك الأمور كما هي؟ ومن حقهم التباهي بنفي الملايين من السوريين ؟ ومن حقهم اعتبار الملايين من السوريين خونة لا مشكلة لا في غيابهم ولا في قتلهم ولا اعتقالهم ولا في أي ضرر يلحق بهم؟
أعترف لكم أنني مازلت حتى اللحظة، منذ ما يقارب العشر سنوات، أرفض التصديق أن كل ذلك حصل في سوريا، وأنني أصحى يوميا وأنا ألعن هذا الكابوس الذي رأيته ليلة الأمس! غير أن الكابوس لا يريد أن ينتهي، ولا يبدو أن أحدا يريد له أنه ينتهي، وأنه حكم على سوريا أن تبقى إلى الأبد سوريا الأسد، وكل من لا يوافق على هذه التسمية هو في عداد الخونة ويستحق النفي أو الاعتقال أو الموت، أو فليصمت إلى الأبد وهو يلوك قهره وألمه حتى يفتك به هذا الألم.
أتساءل أحيانا عن كمية الشر والإجرام التي ظهرت لدى السوريين، هل هي خاصية بهذا الشعب الذي كان يبدو مسالما.؟ أم أن الشر يربى ويؤهل في ظل بيئة مناسبة له؟
أعرف أن الحروب الطويلة، لا سيما الأهلية، تظهر كل ما في البشر من نوازع الشر والإجرام، بذريعة الدفاع عن النفس، بيد أننا، كسوريين، لم نكن نحتاج سوى لرفع الغطاء قليلا عن مستنقع آسن نعيش فيه ليظهر كل ما ظهر من خرابنا منذ البداية، لم نحتج وقتا طويلا لنثبت أننا لم نكن شعبا، منذ البداية أثبتنا ذلك، منذ البداية حصل الانقسام القاتل، منذ الأشهر الأولى للثورة، حصل هذا الانقسام حتى في العائلة الواحدة؛ في المجتمعات والدول الطبيعية، يبدو الاختلاف السياسي بديهة من البديهيات، حتى في العائلة الواحدة، مثله مثل الانقسام في تشجيع فرق كرة القدم، يختلف الناس في الآراء السياسية وفي الانتماءات الأيديولوجية وفي شكل النظم الحاكمة وماهيتها، ويختلفون حتى في مفاهيم كبيرة كالموقف من العنصرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، لكن كل ذلك الاختلاف لا يلغي تواصلهم الإنساني، ولا يجعل منهم أعداء، ولا ينمي نزعة الشر القاتلة لديهم، حتى في أقصى حالات الانقسام واحتداد النقاش الاجتماعي حول هذه المسائل تبقى المجتمعات متماسكة ومحافظة على كينونتها، وهذه خاصية ليست فقط في المجتمعات المتجانسة دينيا أو عرقيا، فالمجتمع الأميركي مثلا هو أكثر المجتمعات البشرية اختلاطا، وفيه من كل الأجناس والأعراق والأديان، وثمة خلافات مهولة حول السياسة وشكل المجتمع، ومع ذلك، أظهرت الانتخابات الأخيرة فيه، رعم كل التحريض على العنف، أنه مجتمع صحي لا ينجر للجريمة والعنف الجماعي بسهولة، وأنه أكثر تماسكا بكثير مما يظهر للآخرين، واستطاع الأميركيون إفشال كل التوقعات بحرب أهلية عنيفة في حال لم يبق ترامب في البيت الأبيض، خرج ترامب من البيت الأبيض رغم انتخابه من قبل أكثر من سبعين مليون ناخب، ولم يحصل شيء.
ما هو الوحش الذي تربى في قلب المجتمع السوري الصغير حتى طبَّعه بطابعه وحول ناسه إلى مجموعات بشرية تعتز بالإجرام وتفاخر به، وتسعى جاهدة لتعزيز الانقسام وزيادته علنا وصراحة ودون أدنى إحساس بمفهوم الوطنية؟! ما الذي فعله نظام الأسد بالسوريين خلال العقود السابقة؟ حتى لم يعد فيهم إلا القلة حريصة على وحدة السوريين وقلبها على الوطنية السورية؟! إن كان يجب أن يحاسب النظام على جرائم ارتكبها فتلك أولى الجرائم وأخطرها، إطلاق وحش الانقسام والكراهية والخوف والتوجس من الآخر ليفسد في حقل التنوع السوري ويوصل حال السوريين إلى ما هم عليه الآن.
رسالة عضو اللجنة الدستورية تلك، وهو في موقع قرار ما، ليست سوى آهة حزن وقهر يطلقها الكثير من السوريين في كل لحظة، وهم يشعرون بألم طعنة العجز أمام انهيار كل ما يمثل الوطن أمام أعينهم، سوريون ليسوا في موقع قرار ولا فعل ولا مسؤولية لكنهم أكثر إحساسا بوطنيتهم من آلاف يتحدثون باسم سوريا والسوريين من كل الأطراف، وهم مستفيدون حتى النخاع من الحال الذي وصلته سوريا.

رشا عمران