كتاب وأراء

دوامة لا تنتهي

الكبر الخفي أخطر من سواه الظاهر للعيان، وقد يتجلى في تعالي أهل الحضرعلى أهل الريف، أو يظهر في تباهي أحدهم بأنه ليس سمينا مثل فلان، بل نحيف.
وتراه جليا حين تسمع إنسانا يتفاخر بكونه ابن حسب ونسب، بينما سواه ابن وصيف.
إنه ذلك الإحساس الدفين بأنك خَير من أي آخر يقيم في شقة، فيما أنعم الله عليك بقصر منيف، أو ربما لأنك مُبْصِر، فيما زميلك كفيف!
أو حتى قد يتسلل إليك الكبر لكون سواك نصابا فيما ترى نفسك عفيفا!
قد تشعر بالفوقية لامتلاكك جواز سفر أشقر،أوروبي، فيما سواك جواز سفره آسيوي، أصفر عجيف.
قد تنفر من أحدهم للونه الأسمر، فيما تزين لك غطرستك أنك أبيض، لطيف.
قد تتغنى بكونك يونانيا عريقا أو أميركيا ساميا أنيقا، لكن اضطرتك الظروف للتعامل مع شخص خارج التصنيف.
قد تتفرد بعرقك وتنسى أن هذا الفرعون مذموم في القرآن كونه متغطرسا، صليفا.
وللكبر الخفي صور عدة، قد تراها في جامعي يتفيقه على صاحب الدبلوم لأنه يرى مستواه العلمي ضعيفا.! عدا من يتعالى كونه أكثر مالًا وأعز نفراً على كل عقيم، لا يملك رغيفا. ناهيكم عمن يتيه بمذهبه وينسى أن الأهم أن يكون خلقك خلقا مسلما حنيفا.
ما سبق هو صور آدمية مبتكرة من قولة «الكِبر» الإبليسية
«خلقتني من نار.. وخلقته من طين»
هذا المنطق أخرج إبليس من مكانته العليا في السماء واستوجب عليه غضب الله ولعنته
-هي صور لا حصر لها من كِبر شياطين الإنس الذي علا على كبر شياطين الجن،
سواء الكِبر بالأنساب أو بأسماء العائلات أوالتمايز باللون، أو التعالي بعدد حروف اللغة أو التكبر بمستوى التعليم أو بالعصبية للأديان أوللمذاهب، أو الكِبر لعدم اقتراف ذنوب معينة أو التمايز بالصِحة أو بالتراتبية الاجتماعية والثراء أوبالعصبية للأصول، أو حتى للفرق الرياضية.
ترى سنعيش اليوم الذي سنهجر فيه شتى أشكال العصبية المستتر منها أو المفضوح لننتصر لإنسانيتنا؟
متى سنزدري المزايدات على الوطنية بالشكليات والمسميات؟
الغريب أننا نتعصب دون وعي، كشكل من الاعتياد على التقليد الآمن أو توارث العصبيات كمسلمات لا تخضع للمسائلة بل قد تعنون وطنية مجانية..لا تبرهنها الأفعال والجهد والبذل.
تجرحنا عصبية الأوروبي لبياض بشرته ونعنونها عنصرية، فيما نتغافل عن تمايزنا بدرجات ألواننا.
يا لها من دوامة تفاضل وتعال وكبر ممزوجة بسخف لا ينتهي.
أفلا يعقلون؟
داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي