كتاب وأراء

لا تعمل فيما تحب

حمد التميمي
لا تزال المقولة الشهيرة: «اعمل فيما تحب» تطرق آذاننا رغم تقادم السنين، فهل يعكس الواقع تجسيداً لما جاء فيها أم أن الحكاية تنطوي على نقيض ذلك؟
في الحقيقة، يبدو أن واقعنا يكشف الستار عن حقيقة مخالفة، ففي الوقت الذي مازالت فيه أصوات الحكماء وجهابذة الفكر تتعالى منادية أن يعمل الإنسان فيما يحب ويهوى، كي يبدع وينجح، إلا أن معظم سكان الكرة الأرضية يعملون في وظائف يكرهونها، لا في بلد واحدة أو منطقة جغرافية محددة فحسب، بل على امتداد العالم بأسره، وكأن لسان حالهم يقول: «اعمل فيما لا تحب».
أتراه حال الدنيا الذي يفرض نفسه عنوة على حياتنا؟ أم ترانا نحن الذين نرفع الراية البيضاء منذ البداية فندخل المعركة خاسرين؟ ومن أين تنبع المشكلة؟
إن التعليم النظري الذي نتلقاه في المراحل الأولى من حياتنا، والتوجيه الأسري الذي يفتقد إلى الخبرة، والعادات والتقاليد المجتمعية، والظروف الاقتصادية والمعيشية المتردّية في بعض البلدان تلعب دوراً كبيراً في عدم تأهيل الإنسان بشكل جيد، فتراه يتخبط يمنة ويسرة منذ صغره، لا يدري أي مجال يحب، ولا كيف يحقق أحلامه، بل حتى أن كثيراً من الأطفال يكبرون دون أن يعرفوا ماذا يريدون بالضبط.
إن حالة الضياع والتشتت هذه تخلق عند الإنسان فراغاً كبيراً، وتدفعه إلى إكمال تعليمه في مجالات يكتشف بعد فوات الأوان أنها لا تناسبه، ثم يبحث عن عمل ويقبل أي وظيفة طالما أنها تؤمن له عيشة كريمة.
وفي كثير من الأحيان يرضى بالقليل وبالعمل في مجالات لا يطيقها، بعد أن ضيع سنين عمره دون أن يزيد خبراته وقدراته في مجال محدد يهواه، فيتقنه ويحصل من بعد ذلك على عمل مناسب يعجبه، أو يتمكن بفضل إمكانياته العالية وخبرته التي اكتسبها بعد جهد جهيد فيما يحب أن يؤسس مشروعه الخاص الذي يدر عليه ما يكفيه من المال كي يحيا بكرامة ولا يحتاج إلى طرق الأبواب ليل نهار علّ أحدهم يتفضل عليه بوظيفة.
لكن هل هذا يعني أننا يجب أن نعمل دائماً في مجال نحبه دون أي اعتبار للمجتمع الذي نعيش فيه والظروف المعيشية التي تحيط بنا؟
في الحقيقة لا، فمن الأخطاء الشائعة كذلك، إصرار البعض على امتهان مجال معين ليس له مستقبل في البلد الذي يحيون فيه، فتكون النتيجة تبديد عمرهم على شيء لا يؤمن لهم عيشة كريمة، فيضطرون في النهاية للتخلي عن أحلامهم والعمل في أي مجال متاح حتى يتمكنوا من الوفاء بالمستلزمات الأساسية للعيش.
لهذا، فالنصيحة المثلى هي أن نساعد الطفل منذ الصغر على معرفة ما يحبه، وتنمية قدراته في المجال أو المجالات التي تستهويه، إلى جانب ضرورة تعلمه بعض المهارات الشخصية مثل مهارة القيادة والتفاوض والإقناع وغيرها، بالإضافة إلى تعلم لغة أجنبية واحدة أو عدة لغات تكون عوناً له في المستقبل، إذ كلما أتقن الإنسان لغة فتحت أمامه أبواب الفرص على مصراعيها.
فإذا لم ينجح الفتى بعد أن يكبر في المجال الذي اختاره منذ نعومة أظفاره بسبب الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية للبلد الذي يعيش فيه، تكون لديه مجموعة مهارات شخصية وخبرة في لغة أجنبية أو أكثر فلا يضطر لقبول أي وظيفة كانت، بل يعمل في وظائف ذات مستوى يتناسب مع خبرته التي كونها خلال حياته.
وبالتالي، إذا كانت لديك مهارات شخصية عالية وتتقن لغة أجنبية واحدة أو أكثر، فبإمكانك الحصول على وظيفة جيدة، إلى جانب استكمال حلمك حتى يصبح مصدر دخلك الرئيسي في المستقبل، دون أن تضطر للعمل في وظائف متدنية الأجر وضمن اختصاصات لا تستهويك طيلة العمر أو لسنوات طويلة كما يحدث مع غالبية الناس.

Instagram: hamadaltamimiii

حمد حسن التميمي