كتاب وأراء

كي لا نقول على سوريا السلام

رشا عمران
كاتبة سورية
ذات يوم قبل سنوات عديدة اتخذت قرارا نهائيا بالابتعاد عن كل ما له علاقة بالثورة السورية، من هيئات وروابط ومؤتمرات، وغير ذلك من الهياكل السياسية والمدنية التي ظهرت بعد الثورة، إثر خروج السوريين للانتشار في دول العالم، على أمل العودة القريبة، (التي أصبحت حلما للبعض، وأمرا غير وارد لدى الكثير جدا من الذين استقروا في دول العالم الغربي وشعروا لأول مرة بأنهم مواطنون لهم حقوق تحميها القوانين، لمجرد أنهم مقيمون على الأراضي الأوروبية أو الأميركية، دون أن يكون الحصول على جنسية البلاد التي يعيشون فيها ضرورة لحماية حقوقهم)، لم أكن مهيأة لا نفسيا ولا جسديا لتلقي ذلك الكم من الكراهية وتشويه السمعة الذي طالني، كما طال الكثيرين، لمجرد أنني كنت في رابطة الكتاب السوريين (مجالي الأساسي)، أو هيئات مختصة بشؤون النساء السوريات (أيضا هذا شأن ليس بعيدا عني)، تلك الكراهية التي كانت تصدر من آخرين يفترض أننا وإياهم في نفس الخندق، وفي نفس التوجه، منهم من انسحب مثلي من كل شيء، ومنهم من فضل المتابعة والصمود في وجه حملات التشويه.
كان واضحا كيف جندت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع النت السورية الثقافية والسياسية الثورية لمهاجمة كل من يرفض الخطاب الطائفي والمذهبي طريقا للثورة، وتم فرضه على مسارها، بذريعة طائفية النظام السوري، لم يكن هذا فحسب، بل مع تحول الثورة إلى ثورة مسلحة تقودها تنظيمات إسلامية راديكالية، تجندت صفحات وأقلام، كان منها أقلام مثقفين، لتشويه سمعة كل من يعترض على هذا الانحراف الخطير في مسار الثورة، وكان الاتهام الأول هو العمالة للنظام، حتى أن تحريض البعض المتواصل واليومي أدى إلى إخفاء مجموعة مهمة من الناشطين المدنيبن والحقوقيين السوريين، ممن أصروا على البقاء في سوريا، في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، ومازال مصيرهم مجهولا حتى اللحظة.
حصل ما حصل، ووصلت سوريا وثورتها إلى ما وصلتا إليه، ثورة مهزومة تماما، لم يبق منها أحد، إلا ما ندر داخل سوريا، توزع ناسها بين مغارب الأرض ومشارقها، تم إخفاء مئات الآلاف في السجون والمعتقلات لا يعرف أحد شيئا عن مصيرهم، في ملف يعتبر هو الأسوأ على الإطلاق، يعيش مهجرو المخيمات في أقل الأوضاع إنسانية وكرامة، أما مناطق الشمال، التي تسيطر عليها تركيا فيعيش أهلوها تحت خطر الاقتتال اليومي بين الفصائل المسلحة، وليس وضع المناطق الشرقية الواقعة تحت سيطرة الفصائل الكردية بحال أفضل، أما ما تبقى من سوريا التي تحت سيطرة النظام، فالجوع والبرد والفقر يكاد يفتك بأهلها، والصراعات بين حلفاء إيران وحلفاء روسيا في سوريا طال الوضع الاقتصادي المتدهور أصلا، بينما تواصل إسرائيل طلعاتها الجوية شبه اليومية وقصفها لمواقع عسكرية سورية وإيرانية في كل أنحاء سوريا (حق الرد مازال محفوظا في الثلاجة)، تنتشر عصابات النهب والسرقة والقتل والخطف على امتداد البلد، واكتمل سوء الوضع بانتشار فيروس كورونا وحصده المزيد من الأرواح والكوادر الطبية والعلمية، وكأن الموت لم يكتف من السوريين طيلة السنوات السابقة، تبدو سوريا وكأنها أطلال لولا أثرياء الحرب والدم الذين يقيمون الحفلات والأفراح وكأن سوريا بألف خير.
خرج الوضع السوري من يد السوريين منذ زمن، النظام والمعارضة، ليس الطرفان الآن سوى بيادق بيد الدول اللاعبة في الملف السوري، وعلى الجميع طرق كل الأبواب للوصول إلى حل يخفف المعاناة عن السوريين في الداخل، وينهي ملف المعتقلين والمختفين، ويهيئ المناخ المناسب لمن يرغب بالعودة بضمانات دولية تمنع انتقام النظام وشبيحته، لاسيما لأهلنا الذين يعيشون في المخيمات ويتعرضون لكل أنواع القهر والذل، هذا يتطلب طرق كل الأبواب، بما فيها أبواب حلفاء النظام، وللأسف لم تغير السنوات العشر السابقة شيئا في وعي السوريين، مازالت الشتائم والتخوين تطال كل من يقدم جهدا بسيطا أو يرى بابا مفتوحا في مكان ما، هذا السياق القديم/‏ المستمر من تشويه السمعة، الذي أبعد الكثير من العقلاء والكوادر عن الانخراط في أي عمل يتعلق بالثورة، ابتعادا عن ألسنة السفهاء ممن يعتبرون أنفسهم ثوارا وهم قطعوا كل علاقة لهم بسوريا إلا على شبكات التواصل. لست بوارد الدفاع عن أحد هنا، فمن استطاع الاستمرار في قرع كل الأبواب حتى الآن رغم كل ما طاله من النظام ومن معارضيه، لا يحتاج لمن يدافع عنه، لكن من المؤسف حقا أن نرى، رغم كل ما حصل، من لا يزال يهاجم ويوجه نفس الاتهامات القديمة، التي أثبت الزمن بطلانها، لأشخاص مازالوا يرون أنه يجب أن يكون للسوريين دور ما في حل المعضلة السورية، وإلا فعلى سوريا السلام نهائيا.

رشا عمران