كتاب وأراء

هل الحوار أصلٌ أم استثناء؟

مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل
مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
يتضمن القرآن الكريم نصوصاً مباشرة في آياته المنزّلة من الخالق البارئ عز وجل، بعضها يكون بين الخالق والملأ الأعلى وبعضها بين الخالق سبحانه وتعالى، وبين العُصاة من خلقه، أو المؤمنين به، وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أحداثٌ عديدة ومواقف كبيرة، مع أبرز خصومه، كان الحوار حاضراً بكل سعة وبأدب جم، وبفرصة استماع واسعة، أُعطيت للطرف الآخر.
ومع كل هذه الكليات الشرعية، وتجربة الرحلة البشرية في حياة الأسرة الإنسانية، نجد أن مساحة الحوار متراجعة عربياً، رغم ترديد الكثير بأنه يقبل الحوار، ولكن في الحقيقة أن هذا القبول الوهمي، يقوم على أزمة أخلاقية عميقة في المجتمع والأفراد، وهي أزمة لها قاعدة فشل قيمي وفهم في ذات الوقت، فالحوار ليس هدفه كما يظن البعض أن ينزل صاحبك على رأيك، وإنما هو منهج حياة وسلوك أخلاقي، يُنظّم علاقات البشر داخل مجتمعاتهم الخاصة وخارجها.
سواءً كانت هذه العلاقات تحالف أو مصالح، أو تعارف أو تآلف، أو صراع أو تنافس، فالحوار هو الجسر الأخلاقي الإنساني في كل مساحات التواصل، من علاقة الزوجة بزوجها، والوالدين وأبنائهم، والمجتمع بأفكاره، والدولة والنخبة، والنخبة والفرد، والمواطن والمسؤول.
ولذلك يُقيّم تقدم المجتمع في تقديري، من خلال حضور هذا الحوار في كل أركانه، ويُقيّم تقدم الدولة، لكونها تمارسه وتنظم مساراته، ولا تندفع بأي قرار تجاه المواطن أو المقيم، قبل أن تستكمل مساحة الحوار معه وعنه، في مؤسسات ومنصات مدنية لا عقابية، فكيف يُعاقب المرأ، على رأي لم يُفهم، ودون قواعد محكّمة، تعتمد العدالة حين خلاف الرأي، هذه العدالة قد تكون قيم فكر أو دين، أو ميثاق مجتمعي، أو دستور محكّم تراضى عليه الشعب والدولة.
وكثيراً ما ينزع البعض، حين تُطرح قضية الخلاف مع الأطياف الداخلية للمجتمع العربي، أو الثقافات الخارجية إلى تأصيل مشروعية الحوار، انطلاقاً من العكس بين القاعدة والاستثناء.
وما نعنيه أن الحوار، ليس استثناء من قاعدة التواصل الإنساني الطبيعي بين أبناء البشرية، بل هو في أصل الرسالة الإسلامية عمل وفعل وثقافة وحراك مقصود لذاته، لكن الإشكال هو أن المتلقي للمفهوم، ينطلق في الأصل من حالة انطباعية، تسيطر على وجدانه التفكيري، وهو أن الحوار قضية استدراج لتقديم تنازلات في مواقفه المبدئية، ولذا يُعامل الأصل المحسوم في التأصيل الشرعي، والوعي الإنساني المعرفي، بالانطباع الاستثنائي في تصوره.
هذا بين الأفراد والثقافات، أما بين السلطة والفرد، فالمشكلة هنا هو تعلق المسؤول الفرعي أو المركزي، بأن الحوار يقود إلى نزع سلطاته، فهل الحوار المنطقي الحقوقي ينزع السلطة، أم يسعى لكي ينزع الظلم والتعسف من السُلطة، ويُنظّم مساراتها، ويفرز سلطاتها، ولذلك فإن تداخل السلطات أو دمجها، بقبضة مركزية فردية، دائماً يتزامن مع تضييق مساحة الحوار الحر في المجتمع. وكلما حاول المجتمع أن يتقدم ولو في مسار إنساني إبداعي، واختط حواره الذاتي، عادت السُلطة للتدخل، وهذا يعتمد على مقدار القمع الذي تمارسه السُلطة، وروح الاستبداد في الحكم، وخاصة حين تحتشد طبقة المساعدين للحاكم، في التسابق على رصد الآراء لا لفهمها، وإنما لإقناع الحاكم بخطورتها عليه، ولو كان رأياً عارضا في مؤسسة تعليمية أو طبية أو ثقافية. وهذه أحد كوارث الوطن العربي، ولذلك دائماً نجد بعض الانفراجات، في واقع الدول الشمولية، ملكية أو جمهورية، يكون مبعث القرار أو الانفراج فيها مساحة فهم من الحاكم، لحوار مع مسؤول مخلص، أو مواطن أو مثقف أتيحت له الفرصة فوجه رسالته.
ولذلك نعاني في الوطن العربي، من هذا التغييب الممنهج، لأي فرصة ممكن أن يصل عبرها المخلصون إلى المنبر المقرب من الحاكم، بسبب تواطؤ النخبة السياسية، أو بسبب ما يُوحي له الحاكم بذاته من أجواء تأليه، ذكرنا في مقدمة المقال، بأن الله تعالى في عليائه، فتح لخطاب الخصوم أبواب حكمته، وجعل للجدل الإيجابي مساحة مهمة، نزل بها الذكر الحكيم، فيما يستعلي الفرد الحاكم عن صوت شعبه، وحوار مواطنه.

مهنا الحبيل