كتاب وأراء

الحول العاطفي

اعترف د. لويس عوض في مذكراته أنه ظلم أخاه الأصغر «رمسيس» حين وجد نفسه يمتحنه بل يترأس لجنة الامتحان الشفوي في سنة البكالوريوس.
قال: منحته درجة «جيد» فيما كان يستحق «امتياز».. ظلمت أخي لكي يقال عني منصف! وضاع على الدكتور رمسيس حلم التدريس في الجامعة!
وبالمثل كثيرا ما يظلم الآباء والأمهات صغارهم حين يغضون الطرف عمن أهان أبناءهم كي يقال عنهم متسامحون!
يتهاونون في حقوق الأبناء ويمررون أي تجريح يطال أطفالهم لكي يقال عنهم حكماء!
يمنح صغيره حياة بمستوى «ض ج» ليظهر هو بصورة الرجل «الممتاز»!
يقال: «إن الظالم والساكت عن الظلم شركاء في الجريمة»..
كونك تعين الظالم بتسترك على ظلمه وتفتك بابنك الذي كان يحسبك سنداً وظهيراً وإذ به يشرب المقلب ويفاجأ بأن النيران التي تحرقه هي نيران صديقة!
إنك تسقط حق ابنك في القصاص لكرامته كما تعرض صحته النفسية للتدهور وإدراكه للتلف لأنك تتسامح مع من يؤذيه دون أن يطلب من ابنك السماح!
إنك تطمئن الظالم بأنه آمن مهما كرر ظلمه ألف مرة كونك حريصا على لقب رجل طيب لا أب صالح.
إن ابنك يشاهدك تفتعل الشعواء لو سرق أحدهم منك مكان صف سيارتك ثم يجدك تكمم فم المجني عليه لأنك لا تقدر سوى على الضعيف.
كيف تتقاعس عن واجبك في حماية أبنائك؟
ألم يقل رسولنا (صلى الله عليه وسلم) كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول؟
إن الآباء والأمهات الذين يتقاعسون عن الدفاع عن حقوق صغارهم هم أشد قسوة ممن ظلمهم، فالأخير ظلم لمصلحته، فيما تدعس ابنك أنت لسمعة زائفة ولدرء شبهة الدفاع عن صغيرك لتحصل على اللايكات المجتمعية!!
كيف تزيد الضعيف ضعفاً وتعين الجائر في جوره ثم تعيش وهم الشهادة، وأنك أفنيت حياتك ودفعت مصروفات دراسة وزواج وعشت شمعة تحترق من أجل الأبناء، بينما في الحقيقة قد حرقت أولادك، بغض الطرف عن معاناتهم النفسية؟
كيف تغض الطرف عن انطوائية أطفالك ثم كيف سمح لك ضميرك أن تفرض عليه التعامل والتعايش مع الظالم، وادعيت أن منطلقك هو التسامح مع من لم يطلب الغفران!؟
أحذر الأهل من قبول هدايا غالية من المعارف كدفع مصروفات مدارس أو ما شابه لأنك حينئذ ستعجز عن الدفاع عن صغيرك؛ لو تعرض لأي تجاوز كبير أو صغير من المعارف.
من الجميل أن تكون شخصاً لطيفاً على أن اللطف لا بد أن يكون من نصيب ابنك لا مع عدوه.. ادع من الله أن يقي كل أب وكل أم من «الحول العاطفي» والذي يجعلهم يصبون جل اهتمامهم ولطفهم على أبناء جيرانهم أو أبناء أصدقائهم ومعارفهم ويهملون خاصتهم.
وأخيرا أتساءل ألم يأن للدول التي أنشأت منذ عقود «مجلس حسبي» للحفاظ على ميراث الأطفال وحقوقهم المادية أن تنشئ بالمثل مجلسا حسبيا للحفاظ على شرف الأطفال وكرامتهم من آباء وأمهات جبابرة؟

داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي