كتاب وأراء

جنــازة لا تشــبه الجنـــازة

رشا عمران
كاتبة سورية
ما أن خرج الجسد المسجى في تابوت خشبي مغطى بقماش غامق من النوع الفاخر، محمولا على الأكتاف، من مسجد الحسن في منطقة أبو رمانة، التي كانت ذات يوم، العمق البرجوازي للدمشقيين، حتى بدأ المشيعون المنتظرون انتهاء صلاة الجنازة خارج المسجد، بالتصفيق الحاد، في مشهد يقال إنه لم يحصل في دمشق منذ زمن طويل جدا، ولا يحدث عادة إلا في وداع الشهداء، ثم انطلق الموكب سيرا على الأقدام باتجاه مقبرة باب الصغير في عمق دمشق القديمة، كان مشهد المشيعون السائرون وراء النعش المحمول مهيبا فعلا، أو على ما أعتقد مفردة مهيب لا تصح على المشهد الذي تابعناه، نحن السوريين، في الخارج والأصدقاء ينقلونه لنا مباشرة عبر هواتفهم المحمولة، مفردة مهيب، ربما تقال على التشييع الصامت، أو الذي ترافقه موسيقى جنائزية، أو مارش عسكري..
في تشييع حاتم علي (المخرج السوري الشهير الذي رحل في القاهرة إثر نوبة قلبية وحيدا في غرفة في فندق عن ثمانية وخمسين عاما)، لم يكن المشيعون صامتين، ولم تكن هناك موسيقى جنائزية، كان صوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد يختلط بمزيج من الهتافات النادر عادة سماعها في جنازة، (فتح ياسمينك يا شام، فتح أشكال وألوان، يا حاتم وين رح بتروح بالشام فتحت جروح، حطي الملح فوق الجرح يا شام وافركي الليمون) وبأصوات أخرى عالية تردد بعض الجمل الشهيرة من أغاني شارات مسلسلات الراحل (كل شيء ضاق.. ضاق حتى ضاع.. نامي إذا ياروح نامي واستريحي).
لم يكن التشييع عاديا، كانت أكاليل الزهور تؤطر صوره، أو تؤطر عبارات تفجع القلب: (مع السلامة من كل سوري في الخارج)، (كل عائلة سورية في الداخل والخارج تقول لك شكرا يا حاتم)، (الشام تشكرك مع السلامة)..
لم تكن أكاليل الزهور تحمل أسماء أشخاص بعينهم، سوى إكليل واحد أرسله الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين، كتقدير من الفلسطينين جميعا لمبدع التغريبة الفلسطينية التي حتى الراحل محمود درويش اعتبرها إحدى أهم الأعمال التي قدمت عن القضية الفلسطينية، في لفتة لا بد من تقديرها والانتباه إليها في هذا المهد الاستثنائي.
لم يكن لعين بشرية أن تستطيع التوقف عن رؤية آلاف المشيعين الذين يمشون متكاتفين وراء النعش، رغم أنف الفيروس اللعين الذي يفتك بالسوريين، يقال أيضا إن آخر جنازة مشابهة حدثت في الشام كانت جنازة الراحل نزار قباني دمشقي المنبت والهوى، بينما لا ينحدر حاتم علي من دمشق وإنما كان نازحا من الجولان المحتل ليعيش طفولته في منطقة الحجر الأسود القريبة من مخيم اليرموك، لقد استطاع هذا المبدع أن يجعل من دمشق مدينته الأصلية، إذ أن الإبداع هو من يمنح الهوية، وهو ما التقطه الدمشقيون وسكان دمشق القدماء، الذين تحولوا مع الزمن إلى دمشقيين رغم أنف الجميع. أن يتم تشييع مبدع ما بهذه الطريقة المذهلة في شوارع دمشق هو شكر عميق من الشام له (الشام هو الإسم القديم لدمشق حين كانت داخل بواباتها السبع قبل أن تمتد وتنفتح بواباتها للجميع كما يليق بالعواصم).
إذا لم يكن التشييع الذي غاب عنه كل ما يتصل بالحالة الرسمية للنظام السوري، (بما فيها نقابة الفنانين، التي أقدم نقيبها سابقا على فصل حاتم علي من النقابة مع عدد كبير جدا من الفنانين السوريين بذريعة تراكم الاشتراكات غير المدفوعة)، يشبه أي تشييع آخر، كان المشيعون يبكون دمشقهم المفقودة، يبكون أحلامهم الضائعة، يبكون الفصول التي تاهت بين الدم والدمار والكراهية، صراخهم كان مليئا بحرقة القلب، بالقهر، باليأس، لم يكن الحزن على رحيل حاتم علي هو الأساس كان جزءا من مشهد نادر الحدوث في دمشق، مشهد عدد هائل يمشون مندفعين بعواطفهم، كما لو أن خروجهم كان إكمالا لمشهد في 2011، غير أن اليأس والخوف غير من نوع الهتافات، وغير حتى الأصوات، من تلك التي كانت تشق الأرض والسماء من الأمل، إلى أصوات صارخة لكنها صارخة تحت الرماد، كما لو أنها تنفخ في الجمر المغطى بالرماد عله يحدث ما يمكنه أن يغير المشهد ذات يوم.
لم يكن التشييع عاديا أيضا، لأنها المرة الأولى بعد 2011، التي يعود فيها جثمان أحد المبدعين الراحلين ممن اضطروا للخروج من سوريا ليدفن في التراب السوري، رحل كثيرون سابقا ودفنوا في أماكن سكنهم، وفاة حاتم علي تحمل مفارقات عديدة، فهو يعيش في كندا مع عائلته، لكنه لم يمت هناك، بل مات في القاهرة، ودمشق قريبة، ساعة واحدة فقط ويكون الجثمان هناك، يا للمفارقة، لم يتمكن حاتم علي من العودة إلى دمشق منذ 2012 رغم الأوقات الطويلة التي قضاها في القاهرة وبيروت حيث المسافة إلى دمشق على مرمى العين والقلب، لكنه عاد في كفن، في صندوق خشبي ملفوف كما لو كان طردا بريديا، يا لقسوة هذه الأوطان التي ننتمي لها، تلفظ أبناءها أحياء وتستقبل المحظوظين منهم أمواتا، يا لقسوة هذه الأوطان التي تلفظنا ولا نتمكن من التوقف عن حبها حتى في الموت.

رشا عمران