كتاب وأراء

كيف تحولت بهجة الزواج لرهبة (2)

آخر ما انتهينا إليه في المقال السابق: أن هناك دراسة تقول إن الأجيال تميل لتصحيح مسار من سبقهم، وهذا الأمر يجري بشكل عفوي وخارج حدود اللاوعي. وأن هذا ما يحدث في الخليج كما يحدث في العالم. في زمن ما كانت المرأة تحرم من الدراسة، والاعتماد على ذاتها ماديّا. تقوم بكل أعباء المنزل، من إشعال التنور، إلى عجن الخبز، إلى كل تلك الأعمال الشاقة التي تولت مهمتها اليوم التكنولوجيا والأيدي العاملة. ثم أنها تنجب عددا كبيراً من الأبناء، وتشارك زوجها بأخريات، قد يشاركنها المنزل أيضًا. كل ذاك بنفس راضية، ومنسجمة مع الواقع الذي تعتبره سائدًا وحتميّا. معتمدة على الله في تأمين مستقبلها، ثم على الزوج الذي قد لا يكون شكوراً، حيث لم تــُعرف بعد ثقافة الامتنان، ولا مبدأ المساعدة. كانت أعمال المنزل «عيب» وخدشًا للرجولة. والتعدد بسبب أو دون سبب دلالة فحولة. لم يعرف أجدادنا مهارة تربية الأبناء، ولا فن مشاركة الزوجة هذه المهمة الرفيعة، وقد يولد الطفل وآخر من يعلم به أبوه!
الزوج قد يكون طيبًا، معطاءً، يكافح ضيق العيش بعرقه وآلام ظهره. المرأة وأولادها يعتمدون عليه اعتمادًا كاملاً، يخرج صباحًا، يحرث تحت شمس النهار القاسية، أو يغوص في البحر مواجهًا الموت في كل لحظة، أو يبيع الغلل والحاجيات تحت تقلبات الجو التي قد تحرمه رأس ماله بسبب رياح طارئة أو أمطار ليست في الحسبان. ثم يحتضر على السرير، تاركًا دنيا كاملة لم يجرب منها إلا آلام الظهر!
باختصار هذا ما كان يحدث في زمن الآباء. وهذا ما يحاول الأبناء اليوم تلافيه. يحاولون دون مرشد، دون منهج، فقط ما يشعرون أنه صواب. لماذا نلومهم؟ لماذا نتهمهم بالأنانية والنكران والعبث وعدم الجدية؟ فالفتاة لا تريد تكرار حياة أمها أو خالاتها، الرجل لا يريد أن يكون أباه أو أعمامه. لكن: كيف؟ هذا السؤال الذي لا يجدون عليه إجابة، تعتقد المرأة أنها اذا اتجهت للاستهلاك، للحرية، لإيكال أعمال المنزل للخادمة، إذا انجبت طفلين فقط، ورمت مسؤوليتهما على مركز حضانة أطفال، أو مربية. إذا صار هم طلاء أظافرها أهم من غذاء أطفالها وزوجها. هي تعتقد أنها بهذا تحمي كرامتها، تحمي ذاتها من الاضطهاد. الرجل حين يقضي يومه في العمل، ثم يختمه في «استراحة شباب» يدخل الشيشة أو يلعب البلوت، إذا نسي عائلته وسافر في الإجازة مع أصدقائه.. يعتقد بذلك أنه وقى نفسه من تكرار حياة الوالد.
البقية في المقال القادم.

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش