كتاب وأراء

عبد الحسين عبد الرضا والإسلاميون.. خارج النص

مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل
مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
قدّم كِلا الضيفين الإسلاميين في حلقة خارج النص مبررات رؤيتهما التي دفعت لمواجهة قانونية كانت صعبة جداً على المسرح الكويتي وعلى مشاعر عبد الحسين عبد الرضا رحمه الله، وكان أبرز ما طُرح خروج الراحل بو عدنان، عن النص وكتابته عبارة مستفزة على لوحة دكانه، في إثر جدل المشهد، في مسرحية (هذا سيفوه) مع الفنان القدير إبراهيم الصّلال، فكتب بو عدنان على اللوحة، بعد لفظة يمنع الكلاب (ويمنع المطاوعة)، التي فُسرت بأنها موجهة لشخصية رجل الدين، وقد ثبّت ممثلا الإسلاميين في البرنامج موقفهم، من شرعية مواجهة الراحل عبد الحسين حينها.
وبموجب التصعيد القانوني أُحيل بو عدنان وعدد من الفنانين للتحقيق، وصدر ضده حكم سجن مع وقف التنفيذ وغرامة، فضلاً عن طريقة اعتقاله، وهو حدثٌ وسلوك، لا يُمكن أن يُمثّل لأي مجتمع حتى مع حق التقاضي القانوني، ذاكرة إيجابية تجاه الحركة الفنية.
ولعل ما يجب الإشارة له، كما ذكرنا في مسألة صحة، أن بعض النصوص المسرحية، كانت ضمن توظيف صراعي سياسي أو فكري، غير أن من الضفة الأخرى فبعض المنابر الدينية في الخليج العربي، تورطت كثيراً فيما يُعتبر اعتداءً بحسب التشريع الإسلامي، فضلاً عن تجاوزها الأخلاقي، على الفنانين واستباحة أعراضهم، بل والتحريض عليهم، زمن التحالف والغطاء السياسي مع الصحوة الخليجية.
وعن المقطع الذي عُرض للراحل عبد الحسين نفسه، أكد بو عدنان بأنه لا يقصد في حديثه المسرحي رجل الدين بمعنى العالم، بل المطوع الذي يغلب عليه الجهل، وقال في هذا المقطع المصور بعد القضية (بأن هناك دورا لرسالة الدين في المجتمع ونحن كلنا مسلمون)، ولكنه أشار إلى فكرة التواطؤ بين الواعظ (المطوع) وبين التاجر الفاسد في المجتمع، وأيضاً أنه في بعض المشاهد يُمثّل الرجل الشرير، الذي يرفض نصح الواعظ الصادق.
ومن هنا وعلى سبيل المثال ما هو موقف الإسلاميين مثلاً اليوم، من الظاهرة الجامية، التي تُمثّل المطوّع الفاسد المبرر لقمع السلطة وظلمها، وقد يُمثلها من ينتمي إلى اتجاهات خارج الجامية، ماذا تقول منابر بعض الإسلاميين ذاتهم، في استخدام نصوص الدين، وقد كان بعض هذه التيارات أو بعض شخصياتها، يمارس بالأمس دور المطوع الجامي اليوم، في الحقيقة أن هذا الأمر يحتاج إلى رؤية نقدية لا تعميمات دينية.
غير أن المقصد هنا هو مساحة الفكرة التي يعنيها اللفظ والنص، وأن فرزها عن الاحتشاد السياسي والصراع الفكري، قد يجعل لها تفسيراً وتفاهماً يخفف كثيراً، من تحويل الفنون إلى ميدان تصارع بدلاً من الحاجة له، كميدان إبداع ودعم للمجتمع المدني في الخليج العربي، دون أن يُلغي ذلك، أن بعض النصوص والمشاهد فعلاً خادشة للفضيلة.
وقد تعرض عبد الحسين في وقت آخر بعد المسرحية لمحاولة اغتيال، أعادت قضية المعيار إلى السطح، وإن لم يثبت أن ذلك عمل منفصل لمجموعة متطرفة، وهي مجموعة قاعدية زعمت تبني محاولة عملية الاغتيال، ولكن لا علاقة لها بمن حضر في البرنامج.
فيما طرح آخرون أن توظيف هذه المجموعات كان جريمة سياسية لصالح نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بعد الجدل الذي أثارته مسرحية (سيف العرب) ما بعد الغزو، الساخرة من صدام، وهي المسرحية التي انتُقدت، لكونها تجاوزت مع الأسف على الشعب العراقي نفسه، بغض النظر عن جريمة الغزو ومحاولة الاغتيال.
ما يهمنا اليوم التأكيد على أن تعطيل حركة المسرح وميدانه وعطائه ونقده، هو في الحقيقة خسارة كبيرة لحقوق الشعوب، ولحاجة الضمير الوطني في كل دول الخليج العربي، إلى رديف حقوقي وإرشادي تنفذه حركة الفنون، التي غُيّبت اليوم لصالح كوارث كبرى تعتدي على القيم، تفرضها السوشيال ميديا.
تخطف الأطفال من منازلهم، وتهدم البيوت بلا قدرة ردعية، فيما لو فتحت السلطات الباب لحرية الفنون، في النقد السياسي والاجتماعي المنضبط، فسيتقدم المجتمع وترتفع ثقافة التحصين الأخلاقي، لكن مشكلتنا أن هناك رفضا بصورة مستمرة لدور المسرح في صناعة أرضية الحقوق السياسية وإن اعتدل الخطاب، فمهمة الأمن السلبية في الخليج العربي هنا، تسعى لالتقاط مقطع من الفنون والرأي، لتقفل عن حقوق الشعب كل باب.

مهنا الحبيل