كتاب وأراء

لنقرأ التاريخ.. قبل ربط الإرهاب بالدين

ليس الإرهاب اختراعاً عربياً، ولا هو وليد ثقافة إسلامية. وليست معاناة أوروبا من الإرهاب اليوم بالأمر الجديد. ففي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، عرفت أوروبا «الحركة الفوضوية»، التي توسلت الإرهاب تحقيقاً لأهدافها. قامت الحركة ضد مبدأ الدولة والنظام. وكانت تدعو إلى مجتمع حر ومتحرر لا تحكمه قوانين ولا ضوابط.
وفي عام 1881 عقد «الفوضويون» مؤتمراً عاماً جرى خلاله تبني استراتيجية دعائية تقوم على «العمل الإرهابي».. حتى ان فيلسوف تلك الحركة بيتر كروبوتكين أعلن نظريته الشهيرة وهي «ان هجوماً واحداً هو أبعد أثراً وأكثر فاعلية من آلاف المنشورات الدعائية».
وقد ارتكبت الحركة العشرات من هذه الاعمال الإرهابية بما فيها اغتيال عدد من الملوك والرؤساء. فقد اغتالت رئيساً أميركياً، ورئيساً فرنسياً. واغتالت ملك ايطاليا وامبراطورة النمسا – هنغاريا، وكذلك رئيس حكومة اسبانيا في أقل من عقد من الزمن!!
في ذلك الوقت لم يكن السلاح متوفراً كما هو اليوم، فاستخدم أعضاء الحركة الديناميت لنسف مقاهٍ في باريس ومطاعم في روما.. ودار الأوبرا في برشلونة.
وفي عام 1894 جرت محاولة لنسف موقع غرينتش في ضاحية لندن، لإثارة موجة عارمة من الدعاية للحركة الإرهابية في العالم لما يمثله هذا الموقع من رمزية عالمية بالنسبة للتوقيت. غير ان الانفجار أودى بحياة الإرهابي نفسه، وكان فرنسياً يدعى ماريشال بوردان وقد عُثر على جثته –بعد الانفجار- وأحشاؤه خارج جسده، ولو حدث ذلك اليوم لوصف بأنه «انتحاري»!!
صودف قيام تلك الحركة الإرهابية في أوروبا مع هجرة واسعة من روسيا وأوروبا الشرقية نحو أوروبا الغربية. فجرى ربط الإرهاب بالهجرة. واذا كانت أكثرية المهاجرين اليوم من المسلمين، فقد كانت أكثريتهم في تلك الفترة من اليهود. ولذلك، فكما يُتهم الإسلام اليوم بالإرهاب، فقد اتُهمت اليهودية في حينه بالإرهاب أيضاً.
وحدها بريطانيا رفضت تعميم الاتهام، ورفضت بالتالي رفع الحواجز في وجه المهاجرين، في ذلك الوقت كانت بريطانيا تربط بين الحرية وحق الهجرة.
فبين عامي 1881 و1901 ارتفع عدد المهاجرين اليهود من روسيا وبولندا إلى بريطانيا من 9 آلاف إلى 53 ألفاً.
مع ذلك أدت تلك الهجرة، تماماً كما يحدث اليوم بالنسبة للمهاجرين السوريين إلى أوروبا، إلى رد فعل سلبي حاد، حتى ان أحد قادة الحركة المناهضة للهجرة في ذلك الوقت وليم هنري ويكنز ندد بالمهاجرين الغرباء الذين «حولوا جزءاً من لندن إلى مدينة غريبة».
واتُهم المهاجرون، كما يُتهمون اليوم أيضاً، بأنهم إرهابيون قد يكونون من الفوضويين الثوريين الذين يلقون المتفجرات (الديناميت)، ولم يميز أولئك بين اسباب الهجرة، وأسباب العمل الإرهابي الذي يقوم به «الفوضويون»، بل اعتبروا الجميع واحداً، وهو ما يعاني منه اليوم أيضاً المهاجرون من الشرق الأوسط وافريقيا وغرب آسيا.
وهكذا فإن بريطانيا التي كانت تعتبر نفسها «دولة من لا دولة لهم»، اضطرت في عهد حكومة المحافظين برئاسة اللورد سالزبوري وتحت ضغط ردود الفعل المتطرفة ضد المهاجرين، إلى استصدار قانون من مجلس العموم في عام 1905 فرض قيوداً على الهجرة، وذلك للمرة الأولى في التاريخ البريطاني.
أدى تداخل الحركة الفوضوية مع حركة المهاجرين إلى تعميم القيود على الهجرة في كافة أنحاء أوروبا وحتى في الولايات المتحدة أيضاً. واقتضت تلك القيود انشاء جهاز أمني لضمان تنفيذها، وكان ذلك الجهاز النواة الأولى لما يعرف اليوم بالبوليس الدولي (انتربول)!!
منذ ذلك الوقت تكونت ثقافة ربط الإرهاب بالمهاجرين.. وبالغرباء الذين هم من المهاجرين المستوطنين، ولا تزال هذه الثقافة مستمرة حتى اليوم، وقد انتعشت من جراء الهجرة الجديدة التي انطلقت بعد الأحداث الدموية المفجعة التي ضربت سوريا والعراق تحديداً، وقبلهما أفغانستان والصومال.
وكما حدث في مطلع القرن التاسع عشر، يحدث اليوم أيضاً في مطلع القرن الواحد والعشرين، فقد ترك الإرهاب آثاره السلبية على الحقوق الإنسانية للمهاجرين، وبالتالي على مبدأ الحريات المدنية.
تتغير الأزمان.. والإنسان واحد.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك