كتاب وأراء

الأساطير والخرافات

حمد التميمي
نطلق على المعتقدات التي نبنيها على التخيلات والقصص الوهمية اسم خرافة، وتمثل الخرافة جزءاً لا يتجزأ من التراث البشري، حيث صاحبت الخرافات والأساطير الإنسان منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، رغم كل التقدم الذي وصلنا إليه.
ولم يأتِ أسلافنا بالخرافات لأنهم كانوا أكثر جهلاً أو سذاجة منا، ولكن لأنهم افتقروا إلى العديد من الطرق الملموسة للتأثير على نتائج البقاء على قيد الحياة في حياتهم، حيث قدمت الخرافات طريقة للشعور بمزيد من التحكم، كما نفعل الآن من خلال ابتداعنا لشخصيات أسطورية في الأفلام والمسلسلات والروايات؛ ولهذا السبب لا يزال الأشخاص ذوو التعليم العالي والمثقفون يؤمنون ببعض الخرافات.
كما أن الناس حول العالم يؤمنون بالخرافات بشكل عام؛ فسواء كان ذلك من خلال الثقة في أرقام الحظ أو محاولة تجنب البشائر السيئة، فإن الثقافات المختلفة لديها قصص لا تصدق وراء خرافاتهم.
إن التفكير في أن تقليم أظافرك ليلاً سيجلب لك الحظ السيئ هو اعتقاد شائع في الهند، على سبيل المثال. وفي الولايات المتحدة غالباً ما يستخدم الناس عبارة «اطرقوا الخشب» لدرء الحظ السيئ، على الرغم من أن هذه الخرافة قيل إنها نشأت في أوروبا. ووفقاً لأسطورة تركية، فإن العلكة التي يمضغها الشخص في المساء تتحول إلى لحم ميت، لذلك ينصح الناس بشدة بعدم مضغ العلكة بعد حلول الظلام في تركيا.
ومن الخرافات الشائعة التي تداولها الناس لقرون طويلة هي الأساطير حول العفاريت والحيوانات التي تتقمص شخصية الإنسان وتتكلم مثله، كما في رواية «ألف ليلة وليلة» التي أحبها الناس في مختلف أصقاع العالم لما فيها من خرافات وأساطير تجذب العقول. كما نحب اليوم أسطورة «الرجل الوطواط» و«سوبرمان» و«الرجل الحديدي» وغيرهم من الأساطير.
ويرجع السبب في إيمان الإنسان بالخرافة والأساطير إلى الرغبة الفطرية الموجودة داخل العقل البشري الذي تدفعه إلى سبر أغوار المجهول، فيشبع فضوله بقراءة صفحات الأبراج وتصديق القصص الغريبة حتى ينام على وسائد من الأحلام الوردية والأمنيات الخادعة التي لا تمتُّ للواقع بصلة.
وأحياناً أخرى يُعزى ذلك إلى تلك الرغبة الدفينة في النفس البشرية إلى الارتقاء والتطور واكتساب القوة اللامتناهية وتحقيق كل ما نحلم به، فتعمل مخيلتنا على ابتداع شخصيات خارقة ووقائع خيالية نشبع بها تلك الرغبة في أن نكون أفضل وأذكى وأقوى.
بالنسبة لمعظم الناس، تعدّ الخرافات غير ضارة في معظم الحالات، فمن الممكن أن يكون لديك خرافات اعتدت عليها لدرجة أنك لا تعرفها ولا تؤثر على حياتك بشكل ملحوظ، ولكن هناك أوقات يمكن أن تصبح فيها الخرافات عقبة في حياتك اليومية.
فالأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري على سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن يشعروا بسبب تصديق بعض الخرافات بأنهم غير قادرين على رفض السلوكيات أو المعتقدات الخرافية، مما قد يؤدي إلى إثارة وساوس تسيطر على تفكيرهم وتمنعهم من الاندماج في المجتمع وممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
وبالتالي، يمكن للأشخاص الذين يعانون من حالات صحية معينة، مثل اضطراب القلق العام أو غيره، أن يتأثروا سلباً بالخرافات. وحتى الأشخاص العاديون يمكن أن تؤثر الخرافات على صحتهم الذهنية والجسدية سلباً أو إيجاباً.
ويخبرنا الخبراء بأنه بغض النظر عن الأوهام، فهناك بعض الجوانب الإيجابية للتفكير الخرافي، فعلى سبيل المثال، في بعض الأحيان تخلق الخرافات إحساساً بهوية المجموعة من خلال ربطك بأشخاص آخرين، كما هو الحال مع الخرافات المتعلقة بالرياضة، حيث يعتقد الجماهير المشجعون لفريق ما بخرافة ارتداء لون معين موحد أو ممارسة طقس معين بشكل جماعي لجعل فريقهم يربح، وغير ذلك من خرافات تعمّق شعور الفرد بالانتماء إلى تلك المجموعة. وبالتالي، فعندما تصبح الخرافات حافزاً قويّاً للمشاركة في أنشطة معينة، فهذا مؤشر على وجود حالة صحية عقلية أساسية.
وعلى النقيض من ذلك، فالخرافات التي تدفع المرء للخوف من العفاريت أو القطط السوداء أو تلك المرتبطة بالنظافة الشخصية، فقد تخلق عنده وساوس قهرية وقلقاً وخوفاً يمكن أن يؤثر سلباً في صحته.
في النهاية، لا بأس من تصديق بعض الخرافات طالما أن ذلك لا يؤثر على حياة الإنسان وإنسانيته في التعاطي مع الآخرين، ولا يؤثر بشكل سلبي على صحته الذهنية والنفسية، أو يعكس تصرفات سيئة تجاه من حوله من أشخاص أو كائنات حية.

حمد حسن التميمي