كتاب وأراء

المُهرّج

خالد وليد محمود
كاتب وباحث
بحسب كتاب «شخصية المضحك عند العرب حتى نهاية حكم المتوكل» لعلي محمد السيد خليفة فإن شخصية المهرج لم تلق في التاريخ العربي اهتماما في العصر الجاهلي مثل ما لقيته في العصر الأموي والعباسي، إذ لعبت هذه الشخصية دورا هاما في حياة الإنسان العربي الاجتماعية والثقافية. وتدل مفردات مثل «المحتال» أو البهلوان أو «البلياتشو» أو «الأرجواز» لمعنى واحد هو المهرج، وهذا الأخير شخصية تضحك وتكون أضحوكة أيضا، وغالبا ما تمارس هذه الشخصية وظيفتها على المسرح والسيرك أو في أفلام السينما وبرامج التليفزيون وظيفته إضحاك الناس وتسليتهم وإمتاعهم بالأقوال والأفعال، وباستخدام تكوينه الجسماني لا سيما ملامح وجهه.
تاريخيا، عرفت الدولة الأموية ومن بعدها العباسية مهرجين اقترن اسمهم بالخليفة مثل «بهلول» و«وأبو دلامة» الشخصيات التي لم تكن تمانع فعل أي شيء في سبيل إرضاء الخليفة. وفي القرون الوسطى، اعتاد ملوك أوروبا على إغناء بلاطهم بشخصية ذلك الشخص الذي يلتحق بقصور النبلاء، فيلبس ملابس غريبة مبهرجة وشخاليل، يقوم بكثير من «التنطيط» والأكروبات والنكات والضحكات الشريرة المتقطعة والتنكيل بالأعداء من خلال السخرية وبتصرفات شاذة، ويعلق على ما يجري حوله من الشؤون بتعليقات لا تخلو من الحماقة والجد والهزل... وهو نفسه «المهرج».
إنّ شخصية المهرج عرفناها من كتب الأدب والتاريخ وكانت مبهرة بتناقضاتها، بعضهم عرف عنه أنه كان همزة الوصل بين الحاكم وشعبه أما البعض الآخر فكان على شاكلة العديد من «المهرجين الجدد» الذين يلبسون كل الأقنعة ويلونون وجوههم ابتغاء للرضا والسماح والتزلف.
لمهنة المهرج أربابها ونجومها وثقافتها وفنونها، لكن للأسف في المسرح الشعبوي السياسي العربي الراهن ثمة مهرجين من نوع آخر مهمتهم ليس إدخال البسمة إلى القلوب، بل إثارة السخرية بمواقفهم وكلماتهم الساذجة والمضحكة من خلال ارتداء وإبراز وجوه مغطاة بالخداع والتضليل والزيف، ويبدو أن الفارق ضئيل بين مهرجي العصر الأموي والعباسي وهذا النوع من المهرجين المعاصرين، فقد تختلف الملابس لكن المساحيق بقيت نفسها والأدوار تتوارثها الأجيال.

خالد وليد محمود