كتاب وأراء

المعوق الثقافي الديني

د. عبد الحميد الأنصاري
عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة قطر سابقا
لا تؤمل إصلاحاً في مجتمعات لا تجهد لتأمين معيشتها، يأتيها رزقها رغدا ريعاً لا جهد لها فيه. هذا يفسر صعوبة تجذر الديمقراطية في البنية الخليجية، رغم أشكال من الديمقراطية تشهدها المجتمعات الخليجية.
لقد ظهر جيل كامل يستخف بالمبدأ الديمقراطي، في المجتمعات العربية عامة، فحكم الفرد في العالم العربي يسنده تيار قوي له جذور شعبية يجعل للديمقراطية مكانة متأخرة في سلم أولوياته، وهو الذي سوغ لأعداد كبيرة من النخب الفكرية والسياسية والدينية (ضمير الأمة وعقلها) أن تتسابق إلى مهرجانات وموائد نظم استبدادية وهي على علم وبصيرة. فهناك ثقافة غير ديمقراطية تعشش في عمق الواقع العربي ولا تستثني فئة ولا طائفة، لهذاسهل التنازل الطوعي عن الديمقراطية والتضحية بها من أجل أهداف أخرى كالوحدة أو الاشتراكية أو تحرير فلسطين باعتباره الجهاد الأكبر.
لطالما تساءل العالم متعجباً:
لماذا يصمد حكم الفرد عند العرب ؟!
لماذا لا تستطيع الديمقراطية ترسيخ جذورها في العالم العربي ؟!
لماذا تنتشر الديمقراطية في شتى أنحاء العالم عدا منطقتنا ؟!
وكيف أنتج مشروع النهضة العربية أمثال: صدام والقذافي وبن لادن ؟!
ذلك لأن الإعجاب بحكم الفرد ثقافة راسخة الجذور في الوعي الجمعي العربي، وله امتداد طويل في العمق التاريخي، ومحصن بمرويات دينية وفقهية تراثية، فسلطان غشوم خير من فتنة تدوم، وأطع الحاكم ولو جلد ظهرك، وقديماً شرعن الفقهاء (إمامة التغلب) وجعلوا (سيف الإمام) مصدر المشروعية، وعلى الأمة الطاعة والصبر والدعاء للسلطان بالهداية والبطانة الصالحة حتى يأتي الله بالفرج.
ثقافتنا الدينية معوقة لثقافة الديمقراطية، وقد أنتجت قناعتين سائدتين:
1- إن الحكم الفردي لا يعد نقيصة، وإنما هو حزم مطلوب سياسياً، ويحقق إنجازات سريعة، لذلك سوغ إجهاض مبدأ الشورى من مضمونه ليرادف (حكم الفرد أو النخبة) في مقابل تصوير الحكم الديمقراطي، بأنه حكم الرعاع والغوغاء والأهواء.
2- إن خطايا ومظالم بل وكوارث (المستبد العربي) مغفورة مادام يرفع لواء الغزو لتوسيع رقعة دولة الإسلام كما في الماضي، أو يرفع شعار مقاومة إسرائيل وأميركا والغرب كما في العصر الحديث.
قديماً أنشد شاعر الحكمة الأكبر بيته المشهور:
والظلم من شيم النفوس… فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم.
وقبله تغزل ابن أبي ربيعة الشاعر الأموي وشرعن الاستبداد بقصيدته:
ليت هندا أنجزتنا ما تعد… وشفت أنفسنا مما تجد.
واستبدت مرة واحدة …إنما العاجز من لا يستبد … ليتكئ عليه الرشيد لاحقاً للتنكيل بالبرامكة.
علينا مصارحة أنفسنا، حكم الفرد ليس مستنكراً، لأننا نمارسه في حياتنا اليومية: في بيوتنا، في مدارسنا، في أعمالنا، في علاقاتنا الخليجية والعربية، وما نعانيه اليوم من أزمات هو بعض ثمراته. جماهير عريضة تؤمن بأن حكم الفرد أصلح لمجتمعاتنا، وأضمن للاستقرار والأمن، وأسرع في التنمية والإنجاز، من الحكم الديمقراطي الذي تتنازعه الأهواء الحزبية والعشائرية والطائفية والعائلية المعوقة للتنمية والتطور، ودائماً يتخذ من الممارسة الديمقراطية الكويتية شاهداً.
مفهوم الإصلاح عند السلف:
لو كان حكم الفرد غير ممجد لما جاهدت التنظيمات الإسلامية في سبيل إحياء نظام الخلافة، أسوأ أنماط الحكم الفردي، لأن العقلية التراثية استحوذ عليها مفهوم سلفي للإصلاح (إذا صلح الحاكم صلحت الرعية) انطلاقاً من (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) فربطوا الإصلاح بمجيء (الإمام العادل) وهمشوا دور قوى المجتمع المدني، مع أن القرآن يقرر (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فطال انتظار الحاكم العادل وتأجل الإصلاح.
الإصلاح ليس معطى جاهزاً والعلاقة تفاعلية: صلاح الحاكم معين على إصلاح المجتمع، كونه مرتبطاً بالنظام السياسي، لكن صلاح الحاكم وحده غير كاف. والفساد إذا سرى للمجتمع وتقبله، أهلك نفسه والدولة معاً.
أخيراً: لا رسوخ للديمقراطية قيماً وممارسة إلا بتفكيك الثقافة المعوقة. وللحديث بقية.

د.عبدالحميد الأنصاري