كتاب وأراء

قراءة في العلاقات التركية ـــ القطرية

عندما تتجول في أروقة وفضاء السياسة وصناعة القرار فلا بد أن يشد انتباهك دفء العلاقات التركية- القطرية.. تلك العلاقة التي أصبحت أنموذجا يحتذى بفن تعامل الدول وتعاونها وتكاملها مع بعضها، فما قصة تلك العلاقة التي تزداد قوة وصلابة ؟ يقينا لن نفهم أغوار تلك المعادلة السياسية التي صنعها الزعيمان سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس رجب طيب أردوغان مالم نعد إلى جذور تلك العلاقة والتي سقتها المواقف المشرفة للدولتين بماء الوفاء والمحبة، فأنبتت شجرة الأخوة القطرية التركية.
ولنحفز الذاكرة قليلا إلى حيث اليوم المشؤوم، يوم عصفت رياح الانقلاب في الخامس عشر من تموز 2016 في البيت التركي...
يوم أراد بعض عناصر المؤسسة العسكرية في تركيا أن يقضوا على زهرة التجربة الديمقراطية المتفتحة والتي راح يفوح شذاها في أرجاء البلاد تقدما وحضارة على كل الأصعدة، كان المطلوب رأس تلك التجربة رجب طيب أردوغان، يومها لم تنم تركيا ولم ينم العالم معها، أخذت القنوات العالمية الداعمة للانقلاب تحتفي بهذا الحدث وبقرب القبض على أردوغان ومحاكمته مع أركان حزبه... وفي هذه اللحظة المفصلية والحرجة كان أمير الوفاء الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يتفقد صديقه ويؤكد وقوفه إلى جانبه.
ويشاء الله أن يفشل الانقلاب بمكالمة سكايب من القائد أردوغان لأمته ولأن الذاكرة التركية قوية ولا تنسى أولئك الشرفاء الذين عُجنت أرواحهم على الوفاء والمحبة كان لابد من رد المعروف إلى أهل المعروف والشهامة، ففي خطوة جنونية عمد أولئك الذين دعموا الانقلاب في تركيا إلى محاصرة قطر وقطع شريان الحياة عنها بمنع دخول الأغذية إليها وإغلاق كافة المعابر والحدود البرية والجوية والبحرية، وهنا تهب تركيا لنجدة الأعزاء في قطر..
يتم إنشاء غرفة عمليات سريعة بين قطر وتركيا وخلال أقل من 48 ساعة تقلع عشر طائرات شحن من المطارات التركية إلى الدوحة محملة بكل الاحتياجات الغذائية لتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي في دوحة الخير.
تستشيظ غيظا ضباع وذئاب العالم من المواقف التركية يكاد صبرهم ينفذ ولكن كيف السبيل لتحطيم تركيا وجعلها تركع تحت إرادتهم؟ فالانقلابات العسكرية قد أثبتت فشلها،وهنا يتفتق فكر مكرهم عن ضربة اقتصادية... نعم فقد قرروا استهداف الليرة التركية وضرب الاقتصاد التركي، وبين ليلة وضحاها تتهاوى الليرة التركية، وهنا يهب سمو الأمير للمساعدة في نجدة العملة التركية... يتوجه بنفسه ليجتمع بأخيه رجب طيب أردوغان ليؤكد دعمه لحليفته تركيا بتقديم حزمة من الدعم لليرة التركية عبر سلسلة من الودائع والمشاريع الاقتصادية.
وبالأمس استقبلت تركيا بحفاوة بالغة ضيفها الكبير سمو الأمير ليرأس مع أخيه الطيب أعمال اللجنة الاستراتيجية السادسة، هذه اللجنة التي أثمرت عن أكثر من ستين اتفاقية على كل الأصعدة الاقتصادية والثقافية والعسكرية.
ويقينا ما كانت تلك العلاقة أن تكون بهذا النضج لولا الشخصية الكاريزمية للقائدين الرئيس أردوغان وسمو الأمير.
فهما صماما الأمان لهذه العلاقة، كيف لا؟ وقد جمعتهما صداقة ومحبة. وقد سئل الرئيس أردوغان ذات يوم في جامعة إسطنبول في لقاء مع الشباب: من هي الشخصية العالمية التي نالت إعجابك؟ فأكد بلا تردد إنه الأميرالشاب الشيخ تميم بن حمد.
ما أريد أن أخلص إليه أن هذه العلاقات الاستثنائية في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلدين هي علاقات راسخة وخطها البياني في صعود عبر الخبرات التركية والموارد المالية القطرية وعبر الرؤية الموحدة لمجمل الملفات الساخنة في الساحتين الإقليمية والدولية وما هذه الزيارات المتبادلة بين القائدين، والتي بلغ عددها أكثر من ثلاثين زيارة إلا دليل وبرهان على نضج هذه العلاقة وأعتقد أن تجربة العلاقة التركية- القطرية تستحق القراءة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
عبد الله رضوان
كاتب تركي

عبد الله رضوان