كتاب وأراء

الربيع العربي وقطار الرحابنة وفيروز

رشا عمران
كاتبة سورية
تعتبر مسرحية (المحطة) واحدة من أشهر أعمال الأخوين الرحباني وفيروز، لخروجها عن تكرار الفكرة في أعمالهم السابقة، حيث دائما كان في مسرحياتهم حاكم أو ملك أو مختار (سلطة ما)، وهناك رعية، في المملكة أو المدينة أو القرية، وثمة صراع بينهما ينتهي دائما لصالح الطرفين، حيث الفكر الإصلاحي هو السائد في أعمال الرحابنة المسرحي الذين خرجوا عن هذه القاعدة في مسرحية واحدة فقط هي (جبال الصوان) حيث هناك صراع على السلطة وثورة دم انتهت بقتل الرمز (غربة) وانتصار الشعب على المتسلط (فاتك)، بينما تدور المسرحيات غير الطويلة (الاسكتش) دائما في القرية، ضوء قمر ومحبة وصراع الناس اليومي العادي، وفتاة يتصارع على حبها اثنان أقوياء، وهكذا.
جاءت مسرحية (المحطة) لتشكل علامة فارقة في تاريخ الأخوين الرحباني وفيروز المسرحي، فرغم وجود السلطة المتمثلة بـ(رئيس البلدية)، إلا أن وجوده هو نوع من الفلكلور الرحباني لا تأثير له على مجرى الأحداث في العمل: تأتي (وردة/ فيروز) من مكان ما مجهول إلى بلدة صغيرة يعيش أهلها على الزراعة، وهي تحمل حقيبة سفر، وتسأل عن موعد وصول القطار، يخبرها أهل البلدة أنه لا وجود لمحطة قطار في بلدهم، ولا تعبرها سكة حديد، ولم يشهدوا قطارا مر في البلدة منذ نشوئها، لكنها تؤكد لهم أن المحطة موجودة حيث يوجد (حقل البطاطا) العائد لـ(سعدو)، وأنهم سوف يندمون على استخدامهم أرض المحطة لزراعة البطاطا، لأن هذا سوف يجعل القطار يمر دون أن يتوقف، إذ لا توجد محطة يقف بها.
استطاعت (وردة) التي تحلم بالسفر منذ الأزل، إقناع جميع سكان البلدة أن ثمة قطارا قادما، وأن كل ما عليهم فعله هو الانتظار مجتمعين حيث اقترحت لهم مكان المحطة (حقل البطاطا)، كي يقف القطار ويحملهم معه، في البداية اعتبرها الناس مجنونة، أو نصابة، أو جاسوسة، أو مخربة، وأطلقوا عليها كل التهم التي تطلق عادة على الخارج عن سياق الحياة المعتادة، لكنهم، ومع إصرارها على الفكرة، صدقوها، وبدأت أحلام السفر تراودهم أيضا، وبدأوا بالتخطيط لحياة أخرى لم يعتادوا عليها في مكان مجهول سوف يحملهم إليه القطار المتخيل، في النهاية جاء القطار فعلا وحمل معه كل أهل البلدة، الذين تسابقوا لاحتلال الأمكنة في القطار، بينما بقيت (وردة) في مكانها، إذ لم يعد في القطار متسع لها، بقيت في مكانها في حقل البطاطا حيث المحطة المتخيلة، تحمل حقيبتها وتنتظر قطارا قادما ربما يأتي ذات يوم ويحملها معه إلى مكان ما. يفاجأ الناس عادة بالأحلام الغريبة التي يحلمها شخص ما أو مجموعة أشخاص، وتصدمهم هذه الأحلام ويخافون منها، خصوصا من يعيشون في استقرار سطحي كامن، لا أحد يعرف ما يوجد تحت سطحه حتى يحدث ما يحرك الراكد، بيد أن الحلم يشبه الخوف، ينتشر بين الناس كما ينتشر الخوف، هذا ما حدث مع أهل المحطة، صدقوا حلم (وردة) الغريبة التي جاءت إلى حياتهم وحركت سكونها وتكرارها الممل، وحدثتهم عن السفر، عن الانطلاق، عن أنواع حياة أخرى، عن التغيير، خلخلت بنية الاستقرار الذي كا ن يبدو واضحا، لتظهر الرغبات الأخرى الدفينة لديهم، ولتظهر كل مشاكلهم المسكوت عنها إلى العلن، وليسافروا جميعا، كل مع رغباته وأحلامه متخلين عن حياة مملة وكئيبة، نحو حياة ومصائر مجهولة في قطار متخيل في حلم صبية لا يعرف أحد إن كانت مجنونة أو طبيعية أو مجرد حالمة، لم تذهب (وردة) في القطار الذي جاء فعلا، ليس فقط لأن القطار امتلأ، بل بقيت لأنها تدرك أن ثمة آخرين سوف يزرعون البطاطا ويدعون الحياة المريحة المستقرة، آخرين لا يعرفون عن العالم سوى محيطهم الضيق، وأن عليها إقناعهم أيضا بوجود القطار والمحطة، وأنهم سوف يسافرون ويتركونها كما حدث في المرة السابقة. يشبه ما حدث في الربيع العربي مسرحية المحطة: (وردة) هي الفكرة الحلم، التي خاف منها الناس في البداية، وأطلقوا عليها كل قاموس الشتائم والاتهامات التي تحركها المخاوف، ثم أظهرت الفكرة حقيقة وضع الشعوب العربية وأنظمتها، أظهرت كل المسكوت عنه في قاع المجتمعات بعد أن استطاعت فكرة التغيير خلخلة الراكد والمستقر، لم يتخيل أحد أن يحدث ما حدث، أو أن تتحرك هذه الشعوب التي تماهت مع الراكد، غير أن الإصرار على الفكرة جعل الحلم ينتشر ويتحول إلى حقيقة، وقطار التغيير جاء رغم أنه لا وجود لما يدل على قدومه، لكنه جاء لأن الحلم يخلق المستحيل، وستبقى وردة /الحلم/ الفكرة واقفة في مكانها وبجانبها حقيبة تخرج منها قطارات تحمل العالم نحو حيوات جديدة، طالما مازال العالم قائما وما زالت الحياة مستمرة، ومازال البشر قادرين على تصديق الأفكار والأحلام التي يحلمون بها خفية عن الآخرين، وردة في مسرحية المحطة ليست سوى رغبة كل منا بتغيير مصير ومسار حياته، اجتماع هذه الرغبات هو ما يجعل من القطار حقيقة ومن حقل البطاطا محطة للقطارات القادمة.

رشا عمران