كتاب وأراء

صقور الأسدية ومتحف إثبات السلطة

في صباح الحادي والعشرين من شهر يناير، عام 1994 صحا السوريون على خبر تم لأجله استنفار الجيش وأجهزة الأمن وتعطيل الدولة والمدارس والجامعات والوظائف الحكومية والخاصة، واوقف التليفزيون والإذاعة السورية برامجهما المعتادة، وكذلك فعلت محطات البث التليفزيوني والإذاعي في لبنان، الدولة الجارة التي كانت تحت الوصاية السورية وقتها، لقد مات باسل الأسد في حادث سيارة قرب مطار دمشق الدولي، كان في طريقه صباحا نحو المطار ذاهبا إلى ألمانيا، حين ارتطمت سيارته التي كان يقودها بحاجز المنعطف الأخير قبل المطار، أدى الارتطام لفرط قوته إلى ارتفاع سيارته المصفحة مسافة كبيرة عن الأرض ثم انقلابها وموت سائقها باسل الأسد الذي كان في الثلاثين من عمره، وماتت معه أحلام أبيه حافظ الأسد، بتوريثه حكم سوريا من بعده، إذ كان العالم كله يعرف أن باسل الأسد هو الحاكم القادم لسوريا، بعد أبيه، وأن الاستنفار الذي حدث في سوريا وقتها لم يكن بسبب موت أحد أبناء الرئيس، بل بسبب موت الرئيس المقبل، والذي لا يعرف أحد، حتى اللحظة، إن كان مصير سوريا سوف يتغير لو أنه لم يمت وأصبح هو حاكم سوريا.
غير أن لا شيء في تاريخ هذه العائلة يمكن أن يوحي بمستقبل أفضل لسوريا، إذ يقال عن باسل الأسد إنه كان شبيها بعمه (رفعت الأسد) الذي ارتكب من المجازر بحق السوريين ما لا يمكن لأحد أن ينساه، عدا عن أن الرئيس الحالي بشار الأسد البديل عن الوريث الحقيقي، لم يكن في حسبان أحد، ولم يكن مهيأ أصلا للحكم، وكان يقال عنه إنه متوازن ومتواضع ومكتف بحياته كشاب يتابع دراسة الطب في لندن، غير أن الزمن كشف شخصية أخرى كانت متخفية تحت قناع اللطف والتوازن: شخصية متسلطة وتدميرية ودموية، وتملك قدرة لا يستهان بها على المراوغة والانفصال عن الحقيقة، ويقال إن شخصيته هذه بدأت تظهر مع بداية موت أخيه، حين بدأ يتجهز لاستلام الحكم، كانت تتم المقارنة دائما بينه وبين أخيه الراحل، حول قوة الشخصية والحزم اللتين كان يتمتع بهما الوريث المتوفى.
ليس في تاريخ باسل الأسد القصير أي إنجاز، لا على المستوى الشخصي ولا المستوى الوطني، كان فقط ككل أبناء الأثرياء في سوريا يمارس رياضة الفروسية، وطبعا لا يمكن لابن الرئيس سوى أن يكون هو الفارس الأول في سوريا الذي ينافس في المسابقات الدولية، حتى ليقال غن أحد منافسيه السوريين (عدنان قصار) ممن لم يقبلوا التظاهر بالخسارة أودع في السجن ولم يخرج منه إلا بعد واحد وعشرين عاما، وهذا يؤكد نظرية أن الإجرام والتسلط صفة من صفات العائلة كلها لا يوجد استثناءات بين الأفراد، وأن لاشيء في سوريا كان سيتغير لو لم يمت باسل الأسد، الذي عجل موته برحيل والده بعد أربعة أعوام، كانت الصدمة أكبر من أن يقاومها جسده المتعب أصلا.
أطلق لقب (الشهيد) على باسل الأسد، مع أنه لم يكن ذاهبا إلى ألمانيا في مهمة رسمية، بل في زيارة خاصة، وأطلق اسمه على الكثير من المنشآت الحكومية وغير الحكومية، إذ غالبا ما يولد الرعب ظاهرة التزلف، وهو ما كان موجودا لدى الغالبية الأعم من الشعب السوري، وظل طيفه موجودا حتى اللحظة في سوريا لاسيما لدى المتطرفين من مؤيدي عائلة الأسد، الذي يرون أن بشار الأسد لم يتعامل بحزم مع (الإرهابيين) الذين خرجوا بثورة ضده، فكل هذا الدمار والموت والتشرد والمعتقلات والمقابر المفتوحة لم تكف هؤلاء، بالنسبة لهم الأمر امتد أطول مما يجب، ولو أن باسل الأسد هو من كان الحاكم لكان أنهى المسألة في شهر على الأكثر، كما فعل أبوه وعمه في الثمانينات في مجازر حماة.
أعلن هؤلاء قبل أيام عن افتتاح متحف (الشهيد باسل الأسد)، في المدينة الرياضية في اللاذقية، فعدا عن سرج حصانه المفضل وحذاء الفروسية وصوره لا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يضمه هذا المتحف، ملابسه ربما وساعاته الثمينة ونظاراته الفاخرة، وربما سياراته العديدة، أو ربما سجل علاقاته الغرامية، وربما وسادته وسريره، وزجاجات عطوره المستوردة، ما الذي فعلاً يمكن أن يضمه متحف شخص لم يقم بأي إنجاز في حياته ؟! يتساءل السوريون حاليا في الداخل والخارج عن الأمر باستهجان شديد، خصوصا وأن سوريي الداخل يعيشون في ظل أسوأ أزمة اقتصادية مرت على سوريا في تاريخها كله، أزمة تكاد تشبه المجاعة بشكل فعلي، إذ لا يجد السوريون لقمة الخبز، ولا يجدون أية وسيلة للتدفئة، ويكاد فيروس كورونا يودي بالكثير منهم مع فقدان الأدوية وسوء الرعاية الصحية وعدم توافر أجهزة التنفس والأسرّة في المستشفيات!
غير أن (صقور الأسدية)، لم تجد للتعبير عن غضبها من (تساهل) بشار الأسد مع تنامي دور زوجته أسماء الأخرس، التي يعتبرونها من خارج العائلة، سوى التذكير بأن سوريا لن تكون سوى لآل الأسد، وهكذا سيفتتح الصقور متحفا يذكر بقوة الأسدية وبأسها، أما لماذا المتحف ليس لحافظ الأسد، فلأن الأسد الأب لم يمت، هو خالد إلى أبد الآبدين، ولا يستغربن أحد إن كان بعضهم يظن أنه عائد ذات يوم، فقد بالغوا في تقديسه إلى هذا الحد تماما.رشا عمران
كاتبة سورية

رشا عمران