كتاب وأراء

مطارات مجهولة النسب

لم أسافر مذ مطلع العام اشتاق للمطارات التي تشبه مدخل بيوتنا، فكم دخلت العديد من الديار، ولكثر ما كنت أرى أبناء بلدي يهتمون بالضيوف ويعتنون كل العناية برواق الدار ومدخله، ويطلقون على أول مجلس يجلس فيه ضيوفهم «الانتريه Entree».
والكلمة فرنسية وتعني المدخل، كونها أول ما يطالعه الزائر بالمنزل، لذلك يعتنون بالمكان حتى يصل بهم الأمر أحيانًا لتحريم الجلوس فيه توطئة لنزول الزوار.
فزيارة الضيف ولو مقتضبة كفيلة بترك انطباعا إما إيجابيا أو سلبيا قد يحطم سمعة أصحاب الدار
وبالمثل، تعتبر المطارات بمثابة مداخل المدن وبوابة الولوج للبلاد، فمن ادخل على القائمين على أمر المطارات في دول العالم قاطبة أن يجعلوا شركة واحدة تصمم تصميماً واحداً يعمم على كافة مطارات الدول تعميم أسئلة امتحان «التويفل» بحيث تدخل مطار أي دولة في مشارق الأرض أو مغاربها لتجد نفس حجم ولون وشكل مربع الرخام المستخدم في الأرضيات؟
نفس الوان الدهانات للجدران
ذات المقاعد من نفس النقوشات والخامات!
نفس المواد المستخدمة لطاولات الكاونترز
موديلات ملابس المضيفات متشابهمة لحد يثير الشفقة من فقر الابتكار
نفس الوجبات «برجر» و«سيزر سالاد»، «لاتيه» حتى انك قد تقابل باستخفاف لو طلبت كركديه في مطار عربي!، على أنك تجد «كابوتشينو».
لما لا تكون مطارات الدول العربية مصممة تصميماً يليق بحضاراتهم؟
ثم ما هذا اللون الرمادي المعمم والمكرر في مطارات العالم، ونفس قماش الكراسي الملصق في سائر المقاعد للطائرات بل والقطارات وحافلات «السوبر جت»؟
أهو فقر في الابتكار والتصميم أم أنها شركة بعينها تتعامل مع مصنع قماش ورخام واحد يورد الصنف، بسعر الجملة لمختلف دول العالم؟
ما الصعوبة في كتابة اسم الزائر على تذكرة السفر بالحرف العربي ؟
لما لا يتم تنفيذ فكرة تسجيل الأسماء في «دفتر صغار الزوار» للأطفال وتكون مدفوعة الثمن بحيث يستطيع المسافر الرجوع للكشوفات ولو جاء في زيارة ثانية ؟
ما الفائدة من تصميم «اللاونج» على منوال «دولي» لا يراعي الخصوصية العربية عوضا عن «الكافيتيرات» التي تعتمد التقليد.
ما سبب تجاهل إدارة الإذاعة في مطاراتنا لبث صوت الأغاني العربية لتستقبل السائحين بمجرد وصولهم لأرض المطار؟
المؤسف أننا نمتلك ثروة موسيقية مهجورة وغير مستغلة على مجانيتها.
عربات «التروللي» التي تحمل الحقائب وتذاكر السفر تعد دقائق لابد من إعادة النظر فيها لتحمل طابع الدولة، حتى «السير»، الذي توضع عليه الحقائب ممكن أن يصمم بطريقة تلائم الخصوصية لكل شعب.
لا يجدي إنكار هيمنة العامل الاقتصادي في مجال الإنشاءات، وهذا ما يجعل التعويل عليه كبيرا لاختصار التكلفة، لكنه في الوقت ذاته يقضي على التفرد والإبداع في المجال السياحي.
المطلوب ممن يضع تصميماً للمطارات، تخيل نقل مسافر بشكل قصري لبلده دون إخطاره بوجهة السفر هنا يكون الفارق في جودة تصميمه من عدمه هو: هل سيعرف المسافر أين هو من التصميم.. من اللوحات المعلقة.. من عطر البخور المنثور في الأرجاء.. من الخط المستخدم في كتابة اسم المطار.. من الجدران الحجرية من ملابس العاملين في المطار ؟
المشكلة أن القائمين على إداراة المطارات يعلنون أن هدفهم هو أن يصبح مطار بلدهم مثل سائر مطارات العالم والمفارقة، أن شرط النجاح هو أن يصبح مطار دولتك مغايرا ومتفردا عن مطارات العالم، عوضاً عن أن يكون مطار مجهول النسب.
داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي